الإرهاب إرهاب أينما كان وأينما حلّ. لا طائفة له ولا مذهب. هو الحاقد على جميع الذين لا يشبهونه، في أي بقعة من بقاع الأرض.
منذ ثلاثة أيام كانت محطته في حيّ شعبي من أحياء الضاحية الجنوبية. وبالأمس كانت له جولة من الرعب في باريس. ووفق بيانات صادرة عن تنظيم "داعش" فإن لا مكان آمناً بعد اليوم، لا في لندن ولا في روما ولا في واشنطن ولا في أي مكان آخر من العالم.
إنه الحقد الأعمى ضد الإنسانية، وضد أي مجتمع تتناقض مفاهيمه مع مفاهيمه ونظرته في الدنيا وفي الآخرة.
صحيح أن التاريخ لم يخلُ من حركات التطرف، بالأخص في القرون الوسطى، حيث كان التعصب سيد الموقف، وكانت بصماتها ظاهرة في المجتمعات التي ناضلت ضد التطرف، من أي جهة أتى، حتى كانت الثورات الإصلاحية، التي قامت على أساس احترام حقوق الإنسان، أياً كان لونه أو عرقه أو معتقداته، وقد تكون الثورة الفرنسية المثال الأسطع في هذا المجال، حيث وضعت شرائع تكرّس حرية الفرد.
وعلى الرغم من أن التاريخ لا يسير إلى الوراء، حيث حلّ الإنفتاح مكان التقوقع والإنغلاق، والتسامح محلّ الحقد والكراهية، فإن ما نشهده اليوم من حركات إرهابية تتلطى بمفاهيم خاطئة عن الدين، وهو برّأ منها، تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى حيث الظلامة، وإلى حيث رفض الآخر، بمفاهيمه ومعتقداته واسلوب عيش مختلف ومتنوع.
إنها الحرب بين الحاضر والماضي، بين الإنفتاح والتعصب، بين مفاهيم متناقضة، ونظرتين مختلفتين، بين ما يعتبره البعض خيراً وبين من يعتبر هذا الخير شرّاً مطلقاً.
إنها الحرب المفتوحة بين الإعتدال والتطرف، بين من يريد أن يكون الإنسان حرّاً في خياراته وبين من يريده مقيدّاً بخياراته دون سواها.
فما بين الضاحية الجنوبية وأحياء باريسية قاسم مشترك في الهمّ والفاجعة، وكلاهما ضحية إرهاب حاقد، لا يؤمن إلاّ بما يعتقده صواباً ويجب تعميمه.
قد يكون ما حصل في باريس، وقبله في الضاحية الجنوبية، على رغم ما حلّ بهما من مصائب على مستوى الإنسانية، فرصة أمام العالم الساعي إلى تعميق القيم الإنسانية للتضافر والتكاتف لمواجهة هولاكو القرن الواحد والعشرين، وتوجيه ضربة قاصمة تمحو هذه النقطة السوداء من التاريخ الحديث.