ليس أصعب من الإستفاقة على صباح مدينة مجروحة، فكيف النوم وهي مازالت تُطعن؟! وهي ساعات قليلة فصلت بين جريمتي برج البراجنة وباريس الإرهابيتين، وقد أطاحت بالجغرافيا والتواريخ. الموت هنا، كما هناك. وبإمكان الوجع أن يتشابه، بل أن يتطابق. لكن كيف لصداه أن يُسمع.. هنا السؤال!
جُرحت الضاحية مساء الخميس. مشى أبرياء في الدرب الأخيرة. هو الإرهاب اللعين والجبان، يطعن بالظهر. هبّ اللبنانيون إلى إعلان حال "التضامن"، في عزّ الإنقسام السياسي والشلل، فصرخوا "هنا لبنان المجروح". قلنا حسناً، وليكن التضامن من دون تاريخ "انتهاء الصلاحية" أو متلازماً لصدمة لحظات الإنفجار. على مواقع التواصل الإجتماعي، أضيئت الشموع، وكُتبت رسائل التحدي ووقعت قرارات العزيمة والصمود. لم تكتسح الأرزة "جدران" العالم الإفتراضي. هل لأنّها في القلب؟!
جُرحت باريس مساء الجمعة. مشى أبرياء في الدرب الاخيرة. هو الإرهاب اللعين والجبان نفسه، يطعن بالظهر. هبّ اللبنانيون إلى إعلان "التضامن".. وعلى "السوشيل ميديا"، اختلفوا!
اختار البعض استخدام "الخدمة" الجديدة من "فايسبوك" والتي تقضي بإضافة العلم الفرنسي، كخلفية، إلى صورهمProfile pictures . أرادوا التعبير عن التضامن، ونقطة على السطر. يوجع الألم، بل يتطابق!
عارض آخرون. سألوا بحرقة: "أين كان علمنا حين اشتعلت برج البراجنة؟". قرّروا التصدي. هكذا انشئت صفحات تحت عناوين مثل "العلم اللبناني على الصورة الرئيسية" او "لدعم لبنان".. وباتت حسابات اللبنانيين، وصورهم، منقسمة بين الأزرق والأبيض والأحمر، والأبيض والأحمر والأخضر!
يستحق هذا "التضامن" وهذا "الإنقسام" محطة من القراءة البعيدة عن الإدانة، على الوجهتين. فمن تضامن مع الشعب الفرنسي، يدرك أنّ الإرهاب واحد. وأن لا ذنب للأبرياء. أو أنّ فرنسا هي "الأم الحنون". وربما، لفرط تشرّبه الألم الذي عاناه ويعانيه لبنان، أراد أن يشارك أخاه بالإنسانية، غمرة دعم. ولعله قال "تباً لسياسات الدول ومخططاتها غير المعلنة، ومنها فرنسا، ولكنني اقف مع اشلاء الابراء النابضة". ولعّله انساق وراء صيحات وسائل الأعلام الأجنبية والمحلية، وصرخ "يا للهول"، فغيّر خلفية صورته على "فيسبوك".
أمّا اللبناني الذي أبرز الأرزة، فهو يقول: "إذا ما عندي خير لحالي كيف بدو يكون عندي خير لغيري"، بمعنى أنّه علينا إثبات التضامن مع أنفسنا أوّلاً ومع بعضنا ليحق لنا أن نواسي الآخرين. ولعلّ هذا اللبناني، اكتشف أنّ موقع "فيسبوك" لم يضف إلى خدماته " Check safe" إبّان تفجير برج البراجنة وكلّ العمليات الإرهابية السابقة التي عصفت بلبنان، إنّما فعلها عقب مجزرة فرنسا، وأنّ خدمة تغيير خلفية الصورة إلى العلم الفرنسي، لم يفكر القيمون باستحداثها بعد الارهاب العاصف بلبنان أو بسوريا او بالعراق او بفلسطين. يفكر هؤلاء: ما الفارق؟ ماذا "يحكم"، هل هي أرقام الأبرياء الممزقين أم أسماء الشوارع أم مكانة الدول في "الالآعيب" العالمية؟!
وقد عبّر هذا اللبناني عن استهزائه من شعب يتباهى بصوره أمام برج ايفل، وهو لا يعرف من الضاحية أو غيرها، سوى الشارع الذي يقود إليها.. أو "دروس" الأحكام المسبقة عنها! وكثيرون أيقنوا بأننا، كدولة وشعب وارض، لسنا إلّا أدوات، أو أرقام، أو رسائل بريدية، أو وسائل ضغط.
انقسم اللبنانيون في التضامن، ولو من دون قصد. ليس من مذنب بينهم أو محق. فاللبناني لطالما كان منفتحاً ومتضامناً مع كل شعوب الأرض.. ولطالما لعب دور "طائر الفينيق". المهم أنّنا شعب حرّ بآرائه، وفي أساليبه "بتعاطي" الإنسانية، وفي كيفية عشقه للوطن، وانفتاحه وانسانيته.
وكذلك من في فرنسا، ومن في بقاع العالم أجمع. لا بدّ من أن يعي السيد Zuckerberg أنّ أنجع وسيلة للتضامن، هي تلك العابرة للقارات والروزنامات، ما دام الإرهاب واحداً. خلفية عليها شعار "ضدّ الإرهاب" تتوحد عليها الشعوب؟! لعلها الأفضل.. أمّا لـ "راسمي" هذا الحجيم والموافقين والساكتين والمتواطئين والمشاركين.. فلنا كلام وصور أخرى، من القطب إلى القطب...