إذا كانت الحرب تخاض بالسلاح انكساراً أو انتصاراً فهي أيضاً تتأجج أو تخبو بالكلمة تعتيماً أو تضخيماً. وإذا كانت السياسة اللبنانية وملحقاتها تلازم الاعلام اللبناني بالمعلومات فهي أيضاً تضيّع عليه بوصلة الوظيفة الاساسية التي يضطلع بها في بلد مميز بحربه وسلمه.
إذا كانت السياسية والإعلام صنوين لا يفترقان فإن سياسيي لبنان وجدوا في الإعلام "الشماعة المثالية"، التي يعلقّون عليها أخطاءهم وكبواتهم عندما يأتي الخبر متعارضاً مع نهجهم السياسي، ولا يعود مجدياً تبرئة الاعلام على أساس أنه انعكاس للواقع ووسيلة تبليغ لا أكثر ولا أقل.
مضبطة الاتهام، على لسان السياسيين في حق الاعلام جاهزة دائماً، فهو يحّور ويجتزىء، يقتطع ويشوه، يضخّم ويعتّم، يسلّط الضوء أو يطفئه، لكن الجميع يقرّ بأن الاعلام سيف ذو حدين، وبأنه أخطر من الرصاص وهو يقود أحياناً الى الرصاص.
إذا كان السياسيون يعتبرون الإعلام سلاحاً معهم أو ضدهم، يستفيدون منه أو يهاجمونه وفق المقتضى الخاص بمصالحهم الفئوية أو الحزبية أو الطائفية، فلماذا تغرق المؤسسات الإعلامية في حال من الإصطفاف العمودي خلف مالكيها مبتعدة عن أسمى شروط عملها، أي المهنية والموضوعية؟
المتتبع للشاشات اللبنانية في شكل خاص يلاحظ أن هذه الشاشات باتت تشكّل مصدراً للمخاطر والفتن في بعض الأحيان، وأنها تحوّلت منصة تؤذي أهلها وجمهورها، وبأن وسائل الإعلام على اختلافها باتت أشبه بدمى يحرّكها السياسيون ويصطادها القضاء أحياناً في شكل استنسابي، فلماذا تتحول وسائل الإعلام منابر للشتيمة والتحقير والتخويف والتعمية والتحريض والتجييش خصوصاً المسموع والمرئي منها؟
هذا الواقع المستجد يفرض أسئلة كثيرة، منها: لماذا أصبح الإعلام مسّيساً بالمعنى الضيق للكلمة؟ لماذا ينخرط الاعلاميون أطرافاً في النزاعات السياسية الحاصلة وهم المؤتمنون على الدفاع عن موقف أو قضية لا شركاء يلتزمون بهذا الزعيم أو ذاك؟ والأدهى من ذلك هل من المسموح أن يبقى الصحافي من دون حصانة قانونية ومعنوية الى حدّ يسمح، لمرات عدة، أن تتحرك القوى الأمنية لتحقق مع مراسل صحفي في كلام بثّه، أو مع مصور لصورة التقطها في خضم الحدث المنقول؟
في الواقع، إن نقل الخبر هو مشاركة جماعية بين جامع المعلومة ومحررها ومصورها ورئيس التحرير، وكل عنصر من هذه العناصر يستطيع أن يتصرف بالمعلومة وينقلها في الشكل الذي يراه الأمثل. أما المراسل الصحافي فهو النافذة الأولى للمصدر والأقرب الى المعلومة مكاناً وزماناً، وهو الوسيط الأول بين الخبر والمؤسسة الاعلامية، وبواسطته تحقق المؤسسة السبق الصحفي وتغطية الحدث في وقته.
يقول الأستاذ المحاضر في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور نبيل شديد "إن على المراسل أن يملك القدرة على التمييز بين المعلومة المغلوطة والصحيحة ونقل الخبر بكل موضوعية وبالتجرد من الذاتية، ولا سيما في الحدث الذي يكون فيه المراسل قريباً خصوصاً إذا كان من المنطقة التي وقع فيها الحدث".
شديد يؤكد أن عملية البحث عن الحقيقة التي تشترطها الحرية يجب أن تقترن بالمسؤولية أمام المجتمع والضمير المهني، وبالتالي علينا التجرد من المصالح الشخصية والابتعاد عن تزييف الخبر أو تحويره. فالمراسل البارع هو من يؤمّن التوازن بين ضرورات المهنة وهواجس الحرية ونشر الحقائق.
في الإجابة المنهجية تبرز أولاً وحدة الموضوع، بمعنى أن التقرير يجب الا يبحث أكثر من قضية، على أن تستخدم جمل قصيرة تسمح للمراسل بالتقاط أنفاسه كل 3 الى 5 ثوان، وهي المدة نفسها التي يحتاج اليها المشاهد لالتقاط أنفاسه أيضاً، لأن الجمل الطويلة معقدّة بطبيعتها وتصعب عملية المونتاج في ما بعد، ومن الضروري أيضاً أن يتذكر المراسل أنه بين التقاط نفس وآخر عليه أن يترك الصورة تتنفس بدورها، وأن التقرير الجيد يجب أن يقسم الى أجزاء منطقية لا يزيد كل جزء منها عن 20 ثانية.
بين المحرمات الاجتماعية والدينية والسياسية من جهة والحصانة الدستورية التي تكفل حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، يحاول المراسلون الصحافيون التأقلم مع الموانع والمحظورات ومواثيق الشرف في بلد بات فيه الإعلام ليس فقط السلطة الرابعة بل "سلطة فوق كل السلطات".
(خاص "لبنان 24")