على وقع هجمات "داعش" انعقد مؤتمر "فيينا" لمعالجة الأزمة السورية في العاصمة النمساوية، كما التأمت قمة الدول الـ20 الكبرى في مدينة أنطاليا– تركيا، حيث أرخت سلسلة الضربات التي نفذّها التنظيم، وطالت روسيا ولبنان وفرنسا بأقل من أسبوع واحد، على المجتمع الدولي ودفعته إلى أن يبدّل من أولويات النقاش السائد حول الأزمة السورية صوب هدف التخلص من ظاهرة الإرهاب التي تطال أمكنة جديدة في العالم.
الديبلوماسية الروسية، من جهتها، سارعت لتظهير إتفاق بوتين– أوباما، أو ما يسمى بلقاء القطبين، والذي يقضي بضرورة الإتفاق على وقف إطلاق النار في سوريا مما يتيح عملياً إعداد خطة دولية، للتخلص من مصدر الإرهاب الذي يضرب العالم، خطة مشابهة إلى حد بعيد للتحالف الذي فرضته واشنطن في العام 2001 عقب هجمات 11 أيلول وقام بإسقاط حكم حركة طالبان ومغادرة تنظيم القاعدة لأفغانستان.
نحو نصف ساعة من النقاش بين الرئيسين على هامش المؤتمر ستتحوّل لقرارات سريعة متصلة بالأزمة السورية، ليس أولها مكافحة "داعش" التي أصبحت مطلباً للمجتمع الدولي بأسره، إنما التوجس من المقاتلين الأجانب على الأراضي السورية ودورهم في حال الفرار والعودة إلى بلادهم. وشدد الديبلوماسي الروسي على التفاهم الذي ساد المفاوضات بين بوتين وأوباما على إعلان وقف إطلاق النار فوراً والعمل لتهيئة الظروف الملائمة لإنتقال سلمي في سوريا، مع إحترام خيار الشعب السوري وإعطاء هوامش واسعة للأمم المتحدة في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.
ليس بالضرورة أن تتحول سوريا لـ"أفغانستان" جديدة في سياق الحرب المفتوحة على الإرهاب، بقدر ما هي منطلق لسلسلة هواجس تصيب أوروبا بعد الأسئلة الكثيرة المطروحة في ظل الهجرة الجماعية التي ضربت القارة وسجلت معدلات فلكية هرباً من جحيم الحرب السورية. وفي هذا الإطار يشدّد مصدر ديبلوماسي روسي على صوابية إصرار الرئيس بوتين منذ البداية غلى المسارعة للتدخل عسكرياً في سوريا، وحصر خطر "داعش" والتنظيمات المتطرفة، ضمن رقعة جغرافية وتجفيف منابع الدعم من مال ومقاتلين تمهيداً للقضاء عليها.
وفي هذا الإطار، لا يعفي المصدر الروسي بعض الدول التي استسهلت الرهان على مجموعات متطرفة للتخلص من النظام السوري فاستدعت المقاتلين الأجانب من جهات الأرض الأربع، جراء كيدية لا طائل منها. كما يذكّر الديبلوماسي الروسي بالمعمعة التي سادت التحضيرات لانعقاد مؤتمر فيينا خصوصا، والعبث الذي مارسته فرنسا وتركيا والسعودية بتشجيع من أميركا، لأجل افشال المساعي الروسية القاضية بوقف نزيف الدم الحاصل على الأرض السورية، وفتح المجال أمام عملية سياسية تعيد الاستقرار والأمن وتركيب نظام سياسي يتصف بالحداثة والديمقراطية وإحترام حق الشعب السوري باختيار ممثليه، في حين كانت الدول المعنية تحاول جاهدة تكريس "الإئتلاف المعارض" كممثل وحيد وتشترط تنحية بشار الأسد من دون مبررات مقنعة، فأتت ضربات الإرهاب في عقر دارها في أنقرة وباريس وحكماً ستطال السعودية ودول الخليج في المستقبل.
يختم الديبلوماسي الروسي بأن هذا التذكير بالمواقف ليس هدفه زيادة الشرخ الدولي بقدر السعي لتصويب النقاش لحل الأزمة السورية وليس تأجيج الصراح المسلح، بل تأمين مناخ ديمقراطي سليم في سوريا. من هنا تعلّق الديبلوماسية الروسية آمالاً شديدة على نتائج قمة أوباما – بوتين، خصوصاً في مكافحة قضية الإرهاب والمقاتلين الأجانب ووجوب التعاون الأمني التركي على هذا الصعيد طالما أن هذا الأمر بات أولوية عالمية على حساب مسائل شائكة كثيرة.