كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة والربع من بعد الظهر، حين همس رئيس المحكمة العسكرية العميد خليل ابراهيم في أُذن أحد عناصر الأمن، موعزاً اليه بإدخال "سجى" إلى القاعة، مُقدّما بذلك موعد جلستها على نحو عشر جلسات كلّها متصلة بقضايا "إرهاب" كانت مدرجة على الجدول قبل موعد جلسة طليقة "خليفة المسلمين"- أمير تنظيم "داعش"- أبو بكر البغدادي، نظراً لكونها تحمل طفلها الرضيع، أولاً، وينتظرها أولادها الثلاثة الباقون في مكان إقامتهم الدائمة في سجن النساء في بعبدا ثانياً.
بأناقة لافتة، دخلت سجى الدُليمي "السجينة الأكثر شهرة" في لبنان وربما المنطقة، مثلت أمام قوس المحكمة، مرتدية عباءة سوداء مطرزة أطرافها بلون ذهبي وعلى رأسها منديل رماديّ اللون مزين بفراشات ذهبية.. اقتربت الدليمي بخطى هادئة وحذرة في آن، تحتضن رضيعها ابن الأربعة أشهر الذي وضعته في السجن.
هذه المرّة بدت علامات الإرتياح على وجهها بعكس الجلسة الماضية التي كانت فيها مرهقة بسبب حداثة ولادتها. على يسار "سجى" وقف زوجها الشاب الفلسطيني كمال خلف ومواطنه لؤي المصري اللّذين يُحاكمان معها بتهمة الإنتماء إلى تنظيم إرهابي مسلّح وجرائم تزوير وثائق لها ولأولادها بأسماء وجنسيات مُغايرة وبطاقة خاصة باللاجئين واستعمالها.
لم تُفارق الوالد ولو للحظة نظرات الإشتياق لإبنه، كيف لا وهو الذي وُلد في السجن ولم يره منذ ولادته، فما إن طلب رئيس المحكمة العميد خليل ابراهيم من عناصر الأمن استلام الطفل ريثما تنتهي الجلسة، حتى لحظ من عيون الأب لهفة لضمّ ابنه فأذن له بذلك، قبل أن يأمرهم بالإنصراف مع الرضيع لتبدأ المحاكمة.
طلبت سُجى في مستهل الجلسة، أن تهتم إحدى الجمعيات بأولادها الموجودين معها في السجن منذ توقيفها مطلع العام الجاري، موضحة أن طلب المحكمة في الجلسة الماضية لهذه الناحية لم يُستجب بعد، عندها تمنّى رئيس المحكمة بواسطة ممثلي وسائل الإعلام الموجودين في القاعة إيصال الأمر إلى الجمعيات الإنسانية المعنية للمساعدة بالإهتمام بأولاد "سجى".
وبسؤال العميد ابراهيم لوكيل الدفاع عن المتهمة المحامي حنا جعجع، إذا كان لديه أي ملاحظة قبل الشروع بالإستجواب، أجاب: "بيروت أم الشرائع لا تقبل ما يحصل مع "سجى" المثقفة.. تلك المرأة التي ما إن قابلتها حتى قالت: "أفدي بروحي ودمي العسكريين المخطوفين لدى "داعش" و"النصرة"، وأنا مستعدة للمساعدة". تدخّل حينها العميد ابراهيم موضحاً أنّ ملف "سجى" قضائي بامتياز، فيه تهم مُساقة بحقها فإذا لم تطّلع على الملف، متوجها بالكلام إلى جعجع، استمهِل للتأجيل. فردّ جعجع: "كنت أريد أن أرى موكلتي دقيقة واحدة قبل بدء استجوابها لأُفهمها مصلحتها القانونية"، فعقّب رئيس المحكمة إذا أنت غير جاهز؟. عندها استهمل وكيل المتهمة للإطلاع على الملف وأُرجئت الجلسة إلى 28 كانون الأوّل، بعدها أعطى العميد خليل الإذن للمتهم كمال خلف بلقاء زوجته سجى الدليمي وابنهما لمدة ربع ساعة في غرفة مجاورة بحضور ضابط من الشرطة العسكرية.