نجح الإرهاب في أمرين: الأول مقصود، والثاني غير متوقع.
في الأمر الأول تمكّن الإرهاب من زرع الخوف في كل مكان عام، بحيث أصبح التنقل عبر المطارات وفي الطائرات مغامرة يُحسب لها الف حساب، وكذلك بالنسبة إلى رواد دور السينما أو المعارض أو المتحف أو "المولات"، أو في أي مكان يمكن أن يكون هدفاً سهلاً للإرهاب المتنقل، والذي اصبح عابراً للحدود.
في هذا نجح الذين يخطّطون وينفذّون جرائمهم، وهم قرروا أن يجعلوا العالم كله مستنفراً وخائفاً ومتوجساً وقلقاً على مصيره، خصوصاً أن من يقوم بهذه العمليات الإنتحارية يعرف أنه ذاهب إلى الموت.
وهكذا تحوّل العالم كله هدفاً محتملاً لأي عمل تخريبي، وبات الجميع يعيشون هاجس هذا الإستهداف وهذا القلق من مصير مجهول، وباتوا يخشون التوجه إلى الأماكن العامة، إعتقاداً منهم أن هذه الأماكن يمكن أن تكون مستهدفة.
ولكن ما لم يكن يتوقعه هؤلاء الأنتحاريون هو أن يتحوّل العالم كله إلى أداة واحدة لضرب الإرهاب اينما وجد، وتجنيد كل الطاقات والوسائل الكفيلة بالقضاء عليه، وإن كان الثمن باهظاً.
فما كان يفرّق بين هذه الدولة أو تلك من خلافات ومصالح أصبح ما يجمعهما اليوم أكثر أهمية، باعتبار أنها اصبحت هدفاً مباشراً للتهديدات التي يطلقها تنظيم "داعش"، حتى أن بعض الذين كانوا يؤيدونه ويمدّونه بالسلاح والذخيرة لم يعودوا قادرين على القيام بما كانوا يقومون به حتى الأمس القريب، وقد جاء كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين واضحاً في هذا الشأن عندما تحدث عن بعض الجهات التي تموّل ألارهاب، وكأن في كلامه بعضاً من تهديد مبطّن وإنذار غير مسبوق، بحيث لم يعد من الجائز التستر عمن يقف وراء هذا التنظيم. وقد شعر كل من تحت إبطه مسّلة بأنه معني بهذا الكلام، وهو كلام يُشتّم منه إتهام، وأن كان فيه بعض التلميحات ولم يكن بالمباشر.
وبذلك يكون تنظيم "داعش" قد حفر قبره بنفسه من دون أن يدري، أو هكذا يظن بعض الذين يعتقدون أن مصير الشعوب لا يمكن أن تتحكم بها مجموعة تنتمي إلى غير هذا العصر، حيث اصبحت العولمة هي السمة الغالبة على علاقات الدول والأفراد، وبات العالم مستنفراً لمحاربة هذا الخطر الداهم.
وعلى رغم هذا الاستنفار غير المسبوق، لا يزال الإرهاب قادراً على زعزعة الأمن والإستقرار في أي بقعة من بقاع الارض ما لم تُحلّ الأزمة السورية سياسياً ويُبان الخيط الأبيض من الأسود، وتُنتزع من أيدي "داعش" كل المبررات التي أدّت إلى قيامه، والإتفاق على مصير الرئيس الأسد.