على وقع ملاحقة ثمّ قتل الإرهابي البلجيكي المغربي الأصل عبد الحميد أبا العود المتهم بأنه العقل المدبّر لهجمات باريس في 13 الجاري، ووسط تجهّم يعمّ العاصمة البلجيكية بروكسيل، التي رفعت درجات التأهب إلى الثالثة فانتشر عناصر الجيش المدججين بالسلاح في المرافق الحيوية بدءاً من المطار وصولاً إلى مداخل الفنادق والمؤسسات الرسمية برمّتها، ووسط ذعر يعمّ البلجيكيين بسبب إنذارات مفاجئة تنبئ بوجود قنابل معدّة للتفجير في محال تجارية ضخمة فيتمّ إخلاء الشوارع والمباني، إجتمع مسؤولون أمنيون وعسكريون وديبلوماسيون للتباحث بإستراتجية للتشبيك الأمني حول العالم بغية محاربة تمدّد تنظيم "داعش" الإرهابي، وذلك بدعوة من "المنتدى المتوسّطي الخليجي" و"منظّمة حلف الأطلسي" ( ATA).
وبمناسبة الذكرى الـ61 لتأسيس الحلف الأطلسي حضر عدد من كبار المسؤولين الأطلسيين لهذا المنتدى الذي ينعقد بنسخته الثانية ( الأولى كانت في سردينيا) الذي انعقد في "قصر إغمون" التاريخي وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة منهم 5 ضباط كبار من المقررين في الحلف الى شخصيات إستثنائية أبرزها الأمين العام المساعد في "حلف الأطلسي" السفير ألكسندر فيرشبوف.
ورصد "لبنان 24"، الذي حضر هذا الإجتماع الرفيع، أبرز الإجراءات والوسائل التي ستعتمد على صعيد حلف شمالي الأطلسي والإتّحاد الأوروبي بالتعاون مع منظمات إقليمية، منها على سبيل المثال لا الحصر "مجلس التعاون الخليجي" و"الإتّحاد الإفريقي" بغية محاربة التنظيم الإرهابي "داعش" الذي بات يشكّل خطراً متساوياً على البلدان العربية والغربية في آن. وأبرزها: التعاون بين حلف الأطلسي من جهة والإتحاد الأوروبي من جهة ثانية، ودمج الأدوات الموجودة لدى الطرفين ولدى بقية المنظمات الدولية، كما قال رئيس "المنظمة الأطلسية" فابريزيو لوسيوللي، وتقوية تعاون العسكر مع الأجهزة الأمنية عبر إدارة الأزمات وتبادل المعلومات، بحسب الجنرال جوزف غوستييا. فالإنفتاح على لاعبين آخرين لخلق أنشطة على الأرض هو هدف رئيسي لـ "حلف الناتو" الذي انشغل سابقاً بالعلاقة مع روسيا فحسب، لكنّه يريد اليوم إستباق المشاكل الممكنة بسبب الإرهاب عبر تحليل الواقع الدولي القائم. وفي إطار التعاون العسكري الأمني حصلت تمارين مشتركة بين الإتحاد الأوروبي و"الناتو" والأمم المتحدة في جورجيا وفي بلدان أخرى منها الأردن بغية جمع الخبرات لمحاربة الإرهاب العابر للقارات.
ويبدو أن الحلف الذي استطاع في إجتماع "اسطنبول" أن يجتذب للتعاون الأمني معه 4 دول خليجية هي الإمارات العربيّة المتّحدة وقطر والكويت والبحرين، لم يتلق لغاية اليوم سوى وعود للتعاون من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
وتقول أوساط أطلسية لـ"لبنان 24" إنّ البلدين أصبحا على قاب قوسين من التعاون". ولدى السؤال عن لبنان قيل لنا إنّ " لبنان بلد مهمّ لكن السلطات اللبنانية المعنية لم تبد بعد أيّ اهتمام ولم تقدّم أي طلب للتعاون الأمني مع الأطلسي، الذي قد يشمل مجالات عدّة منها التدريب الأمني أو نزع الألغام وسبل مكافحة الإرهاب".
ومن الإجراءات المتخذة لمحاربة إرهاب "داعش" والتي شرحها لوسيوليي كيفية رصد المعلومات المتدفقة عبر شبكة الإنترنت، وثمة خطّة يعدها جهاز الشرطة الأروروبي "يوروبول" تبعاً لتوصيات البرلمان الأوروبي من أجل حذف أي معلومات تجتذب الشباب الى القتال في سوريا. وفي هذا الإطار يتمّ إخطار الشركات المعنية ومنها "فايسبوك" و"تويتر" لسحب أي معلومات تشكل خطراً وتهديداً أمنياً من قبل "داعش". الى ذلك ثمّة تبادل معلومات بين أجهزة الأمن والشرطة اللذين يعدان قاعدة معلومات عبر نظام "شنغن" حول دخول الأفراد الى دول الإتحاد الأوروبي.
لكنّ اللافت إعتراف المسؤولين الدوليين بأن كثراً من الأشخاص الإرهابيين يبقون مجهولين بالنسبة الى الأجهزة الأمنية. ويقول رئيس التحاليل البولسية والأمنية الأوروبي بروكس تايغر أنّ "ثمّة جهوداً كبرى ينبغي أن تبذل لمحاربة هؤلاء" ( ...) من بينها نشر الوعي ضدّ التطرّف من خلال منظّمات المجتمع المدني وزيادة الوعي لمكافحة التطرّف الديني، وهذه العملية تقودها الحكومات في كلّ بلد عبر تشبيك بين جميع الدول وخصوصا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا".
إهمال فلسطين
من جهته، طرح رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني سابقاً ووزير الدولة السابق للشؤون الأمنية محمّد دحلان أفكاراً عدّة لمحاربة "داعش"، مذكّراً الحاضرين بإرهاب إسرائيل الذي تطوّر وزاد في الأعوام الأخيرة. وضع دحلان عدم تقديم حلول للشعب الفلسطيني و"نفاق دولة إسرائيل "كما أسماها في طليعة الأسباب التي أدّت الى ازدهار "داعش"، "فضخّ العنف في العقول والتلاعب بمصير الشعب الفلسطيني بأكمله خلق بيئة خصبة لإرهاب تطوّر في الأعوام الفائتة، فصارت رؤية طفل فلسطيني يُحرق أمراً مقبولاً لا يهزّ ضمير أحد، وهذا ما عزّز إمكانية استخدام القضية الفلسطينية من قبل الإرهابيين كبضاعة جيّدة للتسويق، وقد استخدمها أوسامة بن لادن، واليوم ثمة نسخة جديدة من "القاعدة" هي "داعش"، وقد نشهد في الأعوام المقبلة نسخة أخرى بتسمية جديدة".
ولفت الى سبب رئيسي لنمو ظواهر التطرف والإرهاب تعود الى "اختطاف الدين الإسلامي المتسامح من قبل أفراد وجماعات لتنتجه على شكل (دين جديد): دين بن لادن، دين "القاعدة"، دين "داعش"، دين العريفي"، دين القرضاوي الخ".
وخلص الى أنّ استمرارية الإرهاب تعود الى فشل المجتمع الدولي في فهم تطلّعات المجتمعات العربية، والى تعزيز استخدام الإسلام السياسي من الغرب وإسرائيل ضدّ الدّول العربيّة ساعة بدعم منظمة "القاعدة" ( في أفغانستان) أو الإخوان المسلمين (في بريطانيا) أو حركة حماس" (في غزّة). ووضع جزءاً من المسؤولية أيضاً على قادة الدول العربية الذين "استخدموا الإسلام السياسي لتعزيز قبضتهم على الحكم".
ومن الأسباب التي أدّت الى ازدهار "داعش" بحسب دحلان، "التوظيف السياسي للطائفية في العراق ولبنان وسوريّا، وفشل الدول العربية من جهتها في تحقيق تطلّعات مجتمعاتها في ليبيا وتونس ومصر ما أسهم بخلق بيئات خصبة للتطرّف".
ومن مقترحات الحلّ التي قدّمها اعتبر دحلان أنّ الحلّ الديني "هو واجب دول المنشأ أي الدول العربية والإسلامية، عبر تطويرها خطاباً دينيّاً جديداً يعتمد من دول ومؤسسات نافذة (مكّة، الأزهر، الأقصى) وتجنيد وتجميع كافّة علماء الدين الداعين لتجديد وتعزيز الخطاب الديني المعتدل (هؤلاء غالبية علماء الدين ولكنّ صوتهم غير مسموع وتأثيرهم محدود. ولفت الى أنه " لا يمكن للعلمانيين مواجهة هذا الدين التكفيري بل إنها مهمة منوطة بالضالعين بالدين".
(بروكسيل- خاص "لبنان 24")