سواء حصل اللقاء الثنائي بين الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجيه أو لم يحصل، وقد يكون خبر النفي في مثل هذه الحال هو الخبر بحدّ ذاته، فذلك لا يصنع رئيساً، على رغم أهميّة أيّ لقاء بين أيّ مسؤول وآخر، وبالأخصّ في مثل الأجواء التي يعيشها لبنان، والتي تفرض على الجميع التلاقي للبحث في المخارج الممكنة والمسوح بها.
فلا الحريري ولا فرنجيه يعتقدان أنّ مجرد لقائهما يعني وضع قطار الرئاسة على سكته الصحيحة، لأنّهما يعرفان أنّ هذه العقدة هي في مكان آخر، وذلك لاعتبارات موضعية كثيرة، ومنها:
أولاً، أنّ الرجلين ينتميان إلى مشروعين سياسيين مختلفين، في التكتيك والإستراتيجية، وأنّ ما يمكن أن يجمع بينهما أقلّ بكثير ممّا يباعد بينهما، إذ أنّ لكلّ منهما خطّه السياسي، الذي يبدو متنافراً مع الخطّ الآخر، أقلّه في النظرة إلى الطريقة الفضلى لمقاربة الملف الرئاسي.
ثانياً، أنّ لكلّ من الحريري وفرنجيه تحالفات، وإن بدت في بعض الأحيان هشّة، وهي تحالفات يحرص كلّ منهما على خطوطها الحمر، من ضمن هوامش حركة لا تتعدى هذه الخطوط أو تتجاوزها، ولو في الشكل في بعض الأحيان.
ثالثاً، لا يعتبر الرجلان أنّهما قادران على تخطّي الحواجز الطبيعية وغير الطبيعية الموضوعة في طريق وصول أيّ مرشح إلى سدّة الرئاسة، من دون الحدّ الأدنى من التفاهمات الإقليمية، وبالأخصّ بين المملكة العربية السعودية وإيران، في ظلّ الصراع القائم بينهما في غير منطقة، وبالأخصّ في سوريا واليمن. وهذا الأمر لا يزال بعيد المنال، أقلّه في المدى المنظور.
رابعاً، أنّ موضوع الرئاسة شائك ومعقدّ، بحيث يستحيل على أيّ لقاء ثنائي، بغض النظر عن الأشخاص الذين يجمعهم، أن يحدث ثغرة في جداره، من دون أن يكون لكل مكونات البلد رأي جامع حوله، بمعنى أنّ لكلّ من الأطراف المسيحية دوراً في هذه المعادلة، وهذا ما خلص إليه العماد ميشال عون يوم قرر فتح خطّ بين الرابية و"بيت الوسط".
خامساً، أنّ فرنجيه يعرف أكثر من غيره العلاقة التي تربط بين عون و"حزب الله"، وهي أكثر من متينة، وهو يدرك تماماً، أنّ هذه العلاقة غير مرهونة بظروف معينة أو بتكتيكات قد تفرضها المرحلة الراهنة.
واستنادأ إلى هذه الواقعية التي تتحكم بمسار المعركة الرئاسية، فإن ما حُكي عن تسويات يتمّ الإعداد لها من تحت الطاولة، والتي يحاول البعض ترويجها إعلامياً، تبدو غير متطابقة مع الواقعية السياسية، وبالتالي غير مدرجة في أجندة رئيس تيار "المرده"، الذي يتعاطى بالسياسة بكثير من الحكمة والواقعية، وهو يدرك أن وصوله إلى الرئاسة الأولى لا يتحقّق إلاّ إذا كان نتيجة شبه توافق وطني، ومن ضمن مشروع متكامل المواصفات، وبالتالي فأن ما حُمّل هذا اللقاء، سواء عُقد أو لم يُعقد، أكبر مما يتحّمل.