فرز اللقاء المفاجئ الذي جمع الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية مساء يوم الثلاثاء الماضي اللبنانيين بين أكثر من مجموعة، منها المتضرر ومنها المستفيد وثالث يتفرج ورابع يترقب لا يبدي أي رد فعل وكأنه يترقب الخطوات اللاحقة قبل أن يسجل عليه موقف يؤذي أو يعطل جوانب من الطبخة الغامضة، التي بدأت تباشريها من اللقاء قبل ان تلقي بظلالها السلبية على مساحة 8 و14 آذار، ولو بنسب متفاوتة.
من بين المتضررين نتيجة القراءة الأولى للقاء يمكن إحتساب قطبي "ورقة النوايا" المسيحية، لا بل المارونية التي تحكّمت ببعض الملفات الكبرى، التي اكدت على الفرز القائم داخل صفوف القوى المتنافسة في لبنان، وما بينهما من مستقلين ومحايدين شملتهم الحملات الإعلامية، التي رافقت الدعوة الى الجلسة التشريعية في خضم الخلاف على اولويتها من دون انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية، أو وفق أولويات جديدة، الى أن تمّت التسوية ففاز الجميع بالجلسة ونال كل طرف ما أراده من الصفقة بعيداً مما كرّسته من أعراف وتقاليد سياسية سيدفع منتتصرو اليوم ثمنها في وقت لاحق قد لا يكون بعيداً.
وعلى هذه الخلفيات تترقب الأوساط السياسية في لبنان ما سيكون عليه ردّ "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" من اللقاء فكلاهما تجاهلما طرفا اللقاء. فالنائب فرنجية صارح بالتحضيرات للقاء كلاً من الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل والقيادة السورية. ويتحدث البعض عن لقاء جمعه مع الرئيس السوري بشار الأسد لهذه الغاية من دون أن يسجل على نفسه وضع العماد عون في الجو. فهو لم يستوعب الى اليوم ما آلت اليه الإتنصالات السرية بين عون وجعجع وصولاً الى "ورقة النوايا"، ولم ينسَ بعد تجاهله في المواجهة التي قادتها الرابية ومعراب ابان الجلسة التشريعية ولم يستذكرا سوى الكتائب لوضعها في الأجواء والتنسيق قبل ان يفتيها الرئيس بري باعطائهما كمية من السمك في بحر قانون الإنتخاب.
وكذلك يعاني الدكتور جعجع المعاناة عينها مع رفيقه سعد الحريري فجرت المياه بين بنشعي و"بيت الوسط" عبر خط الرياض – باريس من دون ان تكون معراب في الصورة. والأنكى ان "بيت الوسط" شهد لقاءين للأقطاب المسيحيين من قوى 14 آذار وقادة "المستقبل" والمستقلين عشية لقاء باريس، وآخر عشية لقاء الرياض الذي جمع الحريري بقادة "المستقبل" ومستشاريه من دون ان تكون معراب في الصورة، ما وضع حراكها في موقع محرج لعلّ سيدها يفهم المرارة التي ذاقها "المستقبل" عندما قادت الحوار مع الرابية، فيما هي تعتبر أنها ردّت على "بيت الوسط" بتجاهلها في الحوار الفاشل الذي قاده "بيت الوسط" مع الرابية من قبل دون علم معراب.
ومن هذه الخلفيات تقول مراجع سياسية مطلعة أنه وفور انتشار خبر اللقاء بين الحريري وفرنجية شهدت معراب لقاء بين الدكتور جعجع وموفد العماد عون اليها النائب ابراهيم كنعان، خُصص للبحث في معلومات الطرفين عن لقاء باريس فاكتشفا أنها في نقطة الصفر، ويمكن ان يكونا "الزوج المخدوع" في الطبخة وهو ما ادّى الى بداية البحث في رد مشترك كل من موقعه وباتجاه حلفائه.
وعليه ماذا وكيف يمكن ان يردّا؟
العماد عون بدأ المواجهة بحملة اعلامية تؤكد ان ما جرى لا قيمة له طالما انه ما زال المرشح الوحيد لقوى 8 آذار، وان اللقاءات التي عقدها مع تيار "المستقبل" وما آلت اليه من فشل تتكرر مرة أخرى في توقيت قياسي مع فرنجية. فمرارة التفاهم المزعوم بين "المستقبل" و"التيار" يستعد فرنجية ليشرب من كوبه مرة أخرى باعتقاد قياديي "التيار الوطني الحر". فهم لم ينسوا بعد مصير التعهدات التي يمكن ان يكون الحريري قد قطع مثلها.
وفي موازة رد "التيار" تحتفظ معراب الى الآن بنسبة عالية من التكتم، لكن مشاريع المواجهة تطبخ على نار هادئة بدأت بوادرها في بعض الأصوات الإعلامية والسياسية التي تستعد للبحث عن الفشل المحتوم للحوار بين بنشعي و"بيت الوسط" باعتبار انها من حلفاء الرياض ولن تفرط بموقعه في طبخة مماثلة وليس سهلاً تجاوزها.
على كل حال، ستحمل الأيام المقبلة الكثير من المواقف السياسية الحادّة، لكنّ المفاجآت مستبعدة. فلا حوار باريس سينتج متغيرات سريعة ولا ردّات الفعل ستغير في ما هو مرسوم من المواقف. وما هو مسموح به في المرحلة الراهنة سيعبر على رغم كل الضجيج الى ان يكتشف الجميع انها ملهاة قادت اللبنانيين الى مرحلة جديدة لعبور الفراغ القائم من دون ملل، والى مرحلة تستوي فيها الطبخة لتنتج مواقف حاسمة ستبقى الساحة مسرحاً لتجاذبات تهدد التحالفات القائمة من دون ان توقعها.