حط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رحاله في العاصمة الإيرانية. ومن الطبيعي أن تتجاوز زيارته مهمة مشاركة بلاده في منتدى الدول العشرين المصدرة للغاز، كما سبل التقارب مع إيران، طالما أن ما يجمع البلدين هو حلف يمتد على مساحة شاسعة من أطراف آسيا حتى عمق أوروبا.
لإجتماع بوتين مع الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي دام نحو ساعتين مدلولات كثيرة لا تتعلق بتأكيد روسيا على عدم نيتها تجاوز حلفائها والتآمر عليهم، كما ورد على لسان بوتين، بقدر المضي بالتسوية التي تقترحها موسكو لحل الأزمة السورية والقضاء على تنظيم "داعش" بعدما امتدت أيدي الإرهاب إلى قلب العاصمة الفرنسية، وهي تهدد عواصم أوروبية أخرى، وقد تشمل دولاً أخرى.
أوساط ديبلوماسية غربية ربطت بين نقاش بوتين – روحاني الراهن ونتائج زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو، خصوصاً لناحية اللغط السائد حول مصير الرئاسة السورية، وهذا ما برز عند الجانبين الإيراني والروسي عندما أعلنا أن مستقبل الرئاسة السورية تحسمه إرادة الشعب السوري ولا ينبغي فرضه من الخارج.
وتتوقف هذه الأوساط عند حرص بوتين الشديد على إجراء مشاورات مكثفة مع أطراف فاعلة في الأزمة السورية على قاعدة إقرار وقف إطلاق النار وإعلان هدنة عسكرية لمدة ستة أشهر تتزامن مع البدء بالعملية السياسية، والتي تقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم المعارضة السورية والشروع بحملة تحديث الدولة السورية ومؤسساتها، بعد الإنطباع السائد بأن بوتين شارك بالقتال للحفاظ على النظام ومنعه من الإنهيار، كما حصل في ليبيا، حيث تبين أن للتدخل الروسي المباشر أهدافاً تتجاوز ذلك نحو فرض إنهاء الأزمة السورية لأنها باتت تهدد السلم الدولي على جميع الأصعدة.
على أن الملفت في ذلك ما كشفت عنه هذه الأوساط لـ "لبنان 24" بأن بوتين راهناً فرض رعاية الأمم المتحدة للحل السوري ومشاركة الدول المعنية بالأزمة السورية بإنتاج ما من شأنه وقف القتال بشكل نهائي. وفي هذا الإطار تضع هذه الأوساط مسارعة الرئيس بوتين فور مغادرة طائرة الأسد للإتصال شخصياً بالملك السعودي وبعدد من رؤساء الدول وفي مقدمتهم رجب طيب أردوغان في سياق تأمين الإنفراج الدولي المطلوب. فروسيا تدخلت عسكرياً وبشكل مباشر لإدراكها صعوبة إستمرار صمود الجيش السوري، الذي هو الضمانة الوحيدة في سوريا لعدم الإنهيار الشامل فالتقسيم، ومن ثم سيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة ومقدرات عسكرية وإقتصادية تجعله يفرض وجود دولته بحكم الأمر الواقع.
لا تنفي الأوساط الديبلوماسية المذكورة سعي موسكو وبوتين شخصياً ورغبته في إقناع إيران بسحب المقاتلين الأجانب من أرض سوريا لتأمين مناخ توافقي يسمح للأطراف الأخرى المساهمة الفعالة في إنتاج حل للأزمة السورية، خصوصاً أن الموقف السعودي يبدو حاسماً بضرورة إنسحاب "حزب الله" والميليشيات الأخرى من سوريا.
في هذا الإطار كان لافتاً قرار بوتين تشديد ضرباته الجوية فوق معقل "داعش" في محافظة الرقة، وهو أسرّ لنظيره الإيراني في طهران بأن روسيا أضحت قادرة على اجتثاث "داعش" من سوريا خلال 8 أشهر فقط، مستفيدة من تجربتها في حرب الشيشان، ومن إجماع عالمي بأن الحركات الإرهابية في سوريا وما تضم من مقاتلين جلبتهم "داعش" من جهات الأرض الأربعة، أضحت تمثل تهديداً للسلم الأهلي.
القضاء على الإنفصاليين الشيشانيين كان بوابة عبور لتربع بوتين على عرش الكرملين منذ العام 2000 في وقت يسعى بوتين الآن إلى إعادة بلاده نحو سياسة القطبين من نافذة القضاء على الإرهاب.