بعد أيام على خطأ غير مبرر وقعت به قناة "MTV" بحق ضحايا وجرحى تفجيري برج البراجنة، ببثها برنامجاً فنياً استعراضياً بعد أقل من 24 من الحادثة، مكتفيةً بتوجيه تعزية بسيطة، عادت القناة لتثير غضب المشاهدين، بتقرير بثته مساء الأحد 21/11/2015 تحت عنوان "الإرهاب يستهدف الانتحاريات في ظاهرة ليست جديدة"، وهو الأمر الذي أثار حفيظة أطراف سياسية ومناضلين وإعلاميين.
في التقرير المذكور، أدرجت القناة إسم "الإستشهادية" سناء المحيدلي، أول فتاة فدائية لبنانية قامت بعملية استشهادية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، والشابات الفلسطينيات اللواتي يدافعن عن أرضهن المحتلة في الخانة نفسها مع إنتحاريات جندتهن التظيمات الإرهابية "داعش" و"القاعدة" و"بوكوحرام" و"الارامل السود" و"كتيبة الخنساء" وغيرها بما يشكّل خلطاً غير مبرر للمفاهيم والقيم والاعتبارات الوطنية والقومية بلوثة الارهاب والإجرام.
وعلى الرغم من أن الخطأ الأول لم يلق غضباً واسعاً، إلا أنه هذه المرة لم يمر مرور الكرام، باعتبار أن "سناء" رمز من رموز المقاومة الوطنية اللبنانية. لهذا السبب، واجهت القناة غضباً عارماً من قبل النشطاء، الذين اعتبروا أن "المقارنة بين "عروس الجنوب" والإنتحاريات غير متوازنة وليست مقبولة من جانبها، ووصلت حدة الإنتقادات إلى حدّ المطالبة بـ"مقاطعة بضائع الشركات المعلنة على القناة، داعيين جميع الشركات لفسخ عقود الاعلانات معها، وذلك ضمن هاشتاغ "سناء_مقاومة_مش_إنتحارية. لكن بعيداً عن السياقات السياسية والتنافسية وجدولة البرامج، كيف تشرح القناة ما حصل، وكيف يراها المنتقدون، وكيف ينظر أهل الإعلام إلى ما حصل؟
توضيح "MTV"
عن هذا الأمر سأل
"لبنان 24" مدير الاخبار في "MTV" الزميل غياث يزبك الذي شدد على أن "القناة أوضحت في نشرتها الإخبارية المسائية أمس (الاثنين) موقفها من الحملة التي تساق ضدها، والذي جاء على الشكل التالي: "القناة ذكرت في نص التقرير أن إسم الإستشهادية سناء المحيدلي لم يُدرج ضمن قائمة "الإرهابيات" كما أنه ذكر أن سناء نفذت العملية الإنتحارية من أجل قضايا وطنية ومن أجل مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، ما يُعطي محيدلي شرف الإستشهاد"، مضيفاً: "لا نريد أن ندخل في أي جدل بهذا الموضوع وموقف القناة الآن أصبح واضحاً".
"القومي" يطالب بالرد المعنوي
لم ينته الغضب عند هذا الحد، بل وصل إلى حد تدخل "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، التي كانت محيدلي أحد كوادره، فأصدر بياناً مستنكراً فيه "أشد الإستنكار تصنيف محيدلي ضمن إطار تقرير يناقش ظاهرة الإنتحاريات"، وفي إتصال مع عميد الإعلام في الحزب وائل حسنية، قال لـ"
لبنان 24"، إننا "غير مستغربين من الخطأ الذي وقعت فيه القناة لأنه ليس جديداً، فسابقاً وصفت أحد الإنتحاريين بـ"الإستشهادي"، مشدداً على أنه "لا يجوز أبداً تصنيف إستشهادية قامت بتضحية كبرى من أجل الوطن في السياق نفسه مع إرهابيات يقمن بتفجير أنفسهن في وجه الأبرياء، إنها مفارقة كبيرة".
وشدد على أن "تبرير القناة لا يُبرئ الخطأ الذي ارتكبته لأنه أصبح مكرراً، ونحن نحمل المسؤولية إلى وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام ونطالبهم باتخاذ موقف من هذا الموضوع ورد اعتبار البطلة سناء محيدلي معنوياً"، لافتاً إلى أن "قضيتنا معنوية، أما قانونياً فهذه مسؤولية الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة والعادلة".
وأشار إلى أن "هناك خطوات في طور الدراسة، إذ سيقوم وفد من الحزب بزيارة وزير الإعلام رمزي جريج للإطلاع على موقفه ومتابعة القضية"، موضحاَ اننا "لم ندعُ إلى مقاطعة منتجات وبضائع الشركات المعلنة على القناة، بل كان هناك قرار حماسي من قبل الناشطين لسنا معنيين به".
جريج: جلّ من لا يخطئ
من جهته، يؤكد وزير الإعلام رمزي جريج لـ"
لبنان 24" أن "الخطأ الذي وقعت فيه القناة اعتذرت عنه و"جل من لا يخطئ"، مشدداً على أن "لا مجال للمقارنة بين المقاوميين والإنتحاريين"، مشيراً إلى أن "الاخطاء الإعلامية تشكل ضرراً وإساءة إذا لم تعتذر القناة عنها لأنها بذلك توحي بأن خطأها كان مقصوداً ومتعمداً".
وعن عدم التعاطف مع ضحايا التفجيرين في الضاحية وبث المحطة برنامجاً فنياً، أشار جريج إلى أنه "بشكل عام، كان هناك تضامن إعلامي مع ضحايا التفجيرين، لكن ما قامت به القناة يُعتبر شذاً عن الهدف الإعلامي".
ما هو موقف "الوطني للإعلام"؟
بدوره، قال رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ لـ
"لبنان 24" إنه "ينبغى على الحزب القومي أن يتقدم بشكوى للمجلس للبدء بالتدقيق في حيثيات القضية، لكن بشكل عام يُفترض بالمحطات الاعلامية التمييز بين العمل المقاوم والعمل الإرهابي الذي ينتجه الفكر التكفيري، ولا يجوز الدمج بين انتحاريات التنظيمات الإرهابية من جهة، والإستشهادية سناء ومحيدلي والفلسطينيات اللواتي يدافعن عن تحرير أرضهن"، مؤكداً أن "هذه الاخطاء تخدم إسرائيل وتضر بالقضية الفلسطينية".
وأضاف محفوظ: "قد يكون الخطأ الذي وقعت فيه القناة "خطأٌ في الشكل" دون أي افتراض لسوء النية منها، أما إذا توفر عنصر الإساءة، فإن القناة ملامة لأنها لا تقوم بالدور البناء والمطلوب منها كوسيلة إعلامية محلية، ويتوجب عندها توجيه تحذير لإدارتها ثم إعطاء حق الرد للجهة المتضررة، والتي تكون محمية قانونياً".
وعن موضوع تفجيري برج البراجنة، علّق محفوظ بأن "هذا جزء من برنامجها اليومي والتعاطف واجب لكن يجب أن لا ننسى ان المؤسسات الإعلامية هي مؤسسة تجارية، لذا لا يمكننا تحميلها المسؤولية كاملة"، مضيفاً: "المسؤولية يُفترض أن تقع على عاتق توجيه من الدولة والمجتمع المدني بلفت نظر القناة بأهمية التعاطف، لكنها ليست مخالفة".
بين سناء "الإنتحارية" وسناء "الإستشهادية".. أحرف غير متشابهة لا في اللفظ ولا في المضمون، فشتان بين الإنتحاريات وبين "عروسة الجنوب".. وشتان بين الدفاع عن الحق والدفاع عن الإرهاب.
(خاص "لبنان 24")