العلاقات التركية- المصرية لم تكن يوماً في حالة من التحسن والتقدم والإزدهار السياسي والاقتصادي، بل هي شهدت دائماً هبات باردة وساخنة بحسب التحولات في الحكم داخل البلدين وميول القيادات ومزاجها السياسي .
وصول جماعة الإخوان المسلمين الى الحكم في مصر قبل 3 أعوام أثار الحماس في صفوف قيادات العدالة والتنمية ودفعها للتحرك السريع نحوها، بهدف فتح صفحة الجديدة من التعاون بعدما تراجعت الى الوراء في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، نتيجة شبكة التحالفات الإقليمية والدولية المتباعدة والمتضاربة في اكثر الأحيان .
ورغم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أغضب قيادات الإخوان المسلمين عندما حدثها عن فوائد العلمانية وحسناتها الدستورية والسياسية في المنطقة مذكراً بالنموذج التركي، فإن العلاقات بينهما ظلت تتحسن وتشهد العشرات من العقود والاتفاقيات ومذكرات التفاهم حيال العديد من القضايا والملفات الثنائية والإقليمية .
إبعاد الإخوان عن الحكم في مصر قلب المعادلات ودفع الأمور الى التدهور مجدداً بين تركيا ومصر ليقود البلدين اليوم العديد من التحالفات الجديدة المتناقضة المتعارضة المتضاربة المصالح .
وتبحث قيادة عبد الفتاح السيسي عن الإنتقام لنفسها من أنقرة التي فتحت الأبواب على وسعها امام الاخوان سياسياً واعلامياً واقتصادياً، وتركيا متمسكة بفكرة "النظام الانقلابي" والخروج عن المسار الديمقراطي وحقوق الانسان والاعتقالات ومحاكمات غير عادلة لقيادات الاخوان ينبغي وضع حد سريع لها .
ونجح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كسب العديد من الدول العربية والخليجية الى جانبه في هذه المواجهة مع حكومة "العدالة والتنمية"، كما استطاع تحييد العواصم الغربية التي رجحت الابتعاد طالما أن قوتين إقليميتين يضعفان بعضهما البعض عبر منازلة استراتيجية دامية تعطي الفرصة لإسرائيل لتقوى دون أن تدفع أي ثمن مقابل ذلك .
وقد تكون زيارة السيسي الأخيرة الى قبرص اليونانية في العلن حلقة من سياسة المناكفة والمكايدة بين القاهرة وانقرة، لكنها في السر خطوة على طريق بناء التحالفات الاقليمية الجديدة التي تسعى من خلالها القاهرة لتلقين انقرة الدرس المناسب بسبب هجومها على السلطة السياسية الجديدة في مصر والتمسك بورقة الاخوان في وجهها ومحاولة تحريض العواصم العربية والإسلامية والغربية ضدها .
تجاوزت المشكلة بينهما اليوم حالة الإصطفاف ايضاً ولم تعد مشكلة طرح او بناء النموذج الافضل للمنطقة بل تصدير المشاكل والأزمات لبعضهما البعض وهنا قمة الخطورة في إلحاق الأضرار التي لن تكون مسالة تلافيها او تجاوزها بمثل هذه البساطة .
ما الذي تمثله العلاقات التجارية والاقتصادية اليوم بين مصر ونيقوسيا أو بين مصر وأثينا. ألا تعرف القاهرة حجم الصعوبات المالية والاقتصادية التي تواجهها العاصمتين؟
ربما مصر تريدهما الى جانبها لأنهما على عداء مع تركيا أولا ولأنهما جزء من الاتحاد الاوروبي وفرصة ليقودا اللوبي في المجموعة الاوروبية لصالح مصر مقابل تفاهم ثلاثي في ترسيم الحدود في منطقة شرق المتوسط يكون مقدمة لقطع الطريق على تركيا باتجاه عبور الشرق الاوسط بحراً، ثم يتحول الى تفاهم على نقل الغاز وتصديره الى أوروبا عبر مصر أو بيعه مباشرة لها لتقوم هي ببيعه الى الخارج .
السؤال المطروح والمكرر دائماً لماذا تخاصم تركيا مصر بعد هذه الساعة رغم أن العواصم الغربية تصمت وإيران وإسرائيل يكادا يكونان شريكان استراتيجيان للقاهرة اقليمياً في المرحلة المقبلة؟
جواب أنقرة ياتي معكوساً عبر طرح سؤال آخر مقابل السؤال المصري: ألا تعرف القاهرة أن تركيا شهدت انقلاباً عسكرياً في مطلع الثمانينات وأن قائد الانقلاب كنعان افرين الذي لقي انتقادات واسعة في العواصم الغربية عاد وأمن لنفسه الفوز كمرشح وحيد لرئاسة الجمهورية التركية ليكون الشريك الجديد للغرب بعدما كان قبل اشهر انقلابياً مغضوباً عليه؟ الغرب يبحث عن مصالحه والحالة تنطبق على القيادة المصرية عاجلاً ام اجلاً .
أشاد الملك الإسباني خلال زيارة الرئيس المصري بالشريك المصري الجديد رغم ان العلاقات التجارية والسياسية بين مصر وإسبانيا لا تعني الكثير، كما أشاد أيضاً بالسياسي الذي يحارب الجماعات الإرهابية والمتشددة في مصر بعدما كانت حكومته تقيم علاقات ممتازة مع الاخوان عندما كانوا في السلطة مضحياً بكافة المعايير الاوروبية التي تستخدم ضد تركيا اليوم في مسائل حقوق الانسان والديمقراطية والقضاء العادل .
تقول القاهرة إن مشاركة الوفد المصري الكبير في ذكرى أحداث عام 1915 الأرمنية هي مشاركة شعبية وغير رسمية وإن القاهرة لم تدخل رسمياً في اي نقاش حول موضوع "الابادة".
كاد يكون هذا الكلام صحيحاً لولا الحملات الواسعة التي شنها الاعلام المصري ضد تركيا في موضوع "المجأزر" ولولا محاولة القيادة المصرية لعب ورقة الوفد القبطي الرفيع الذي قاد التحرك في يريفان وكرر أمام العدسات أن الكنيسة القبطية جزء من العمل السياسي وأن الزيارة لا يمكن ان تكون رسالة تضامن كنسي وديني وحسب بل لا بد على انقرة ان تستخلص مواقف سياسية ايضا من هذا التحرك المصري . ألن تسأل القيادات الاسلامية والعلمانية المصرية الحكومة عن اسباب تشجيعها على خطوة بهذا الاتجاه؟
الحملات الأخيرة المركزة في الاعلام المصري ضد السعودية بسبب تقاربها وانفتاحها على انقرة تحت غطاء الموقف السعودي من اليمن وما كانت تعد له القاهرة من خطوة توسط بين الخليج وايران الذي لقي اعتراضا من الرياض رافقها ردة فعل شديدة من السفير السعودي في مصر والجميع تابع ماقاله بعد اشهر فقط على كل هذا التنسيق المصري السعودي. زيارة السيسي اليوم الى المملكة العربية السعودية قد تكون عبر البيانات للتهنئة لكنها ستكون وراء الابواب للعتاب وقول شىء اخر بينه انزعاج المملكة من التحرك المصري الاقليمي والدولي الاخير ومطالبة القاهرة بالاستعداد لسياسة سعودية إقليمية جديدة .
تريد الرياض الآن حماية الخيط الرفيع في مسار العلاقات التركية المصرية امام التحولات العربية والإقليمية المتلاحقة ومصر عليها ان تكون مستعدة لتحديد موقفها النهائي حيال ذلك. المشكلة لم تعد مشكلة اخوان بل مشكلة " أبناء عّم " يريدون السيطرة على قالب الحلوى باكمله اسرائيليا وإيرانيا وهذا ما لن تقبل به الرياض وانقرة . أولوية الرياض اليوم هي الحرب على القاعدة وداعش والحيثيين في اليمن ايضا وأولوية مصر هي الاخوان وتركيا فمن سيقنع الاخر؟
مصر تريد القفز الى الأمام للهروب من هذا الوضع عبر بناء منظومة تحالفات إقليمية وغربية تطوق تركيا من خلالها، فهل سترضى السعودية بمحاولات اضعاف تركيا شريكها في اليمن والخليج وسوريا لصالح بناء القيادة المصرية لتحالفات مفترضة تكون ايران جزء منها؟.
(خاص
"لبنان 24")