عبثاً يحاول رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع إستيعاب ما يجري حوله. الخبر نزل عليه كالصاعقة: سعد الحريري يرشح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية! وهل للوفى درجات أعلى من هذا؟ وهل هذا اخلاص أم أن الأمر عصيّ على الفهم؟ تراكمت ضربات الحليف المفترض وكلها تصيب في المقتل. حتى الساعة يمارس الرجل سياسة ضبط النفس على من حوله، لا تصريحات ولا تعليق، لا سلبي ولا ايجابي، لكنّ اليد على الزناد، وثمة من سيبادر الى إطلاق النار بعد اشارة لن يطول موعد تلقيها.
يخضع ترشيح الحريري لفرنجية الى فكفكة رموز وتحليل للخلفيات والاسباب والدوافع. للمرة الثانية نشهد تكتلاً مسيحياً في مواجهة أمر ما.
كل الأطراف تقريباً مشغولة في تحليل ما يجري وتداعياته الدراماتيكية مسيحياً، حتى "حزب الله" صمته لافت، وكذلك الرئيس نبيه بري، فيما النائب وليد جنبلاط حركته لا تهدأ. وائل ابو فاعور مرسال يقوم بحركة مكوكية في محاولة لاحداث خرق يحقّق شرعية مسيحية لطرح الحريري. فشل مسعاه بالأمس مع حزب الكتائب، وسيطرته على سعد الحريري تستفزّ الحلفاء. تكثر الروايات عن ترشيح الحريري لفرنجية. الكل يحلّل في دور السعودية، والاخيرة لا تنطق بما يؤشر سلباً أو إيجاباً. تركت حلفاءها كما الخصوم في تيهٍ من أمرهم.
لكن هناك رواية يمكن الركون إليها، ولو من باب الإستطلاع، تقول إن أصل الحكاية هي محاولة من وليد جنبلاط لحفظ رأسه مع اقتراب التسوية، ففاتح أو أقنع الحريري بترشيح فرنجية. تلقف الحريري الاقتراح، وهو الباحث عن باب يعيده الى حضن الديوان الملكي، الذي حكم عليه بالفشل وقيّد حركته. إقتنع وقد صار ممتحناً بقدرته على إحداث ثقب في جدار الاستحقاق الرئاسي العصي على الكسر، وكانت كلمة السر "ليكن أي كان لكن بشرط الاجماع المسيحي".
إنطلق الحريري في امتحانه، وعداد الوقت يمر. ارتطم بالجدار المسيحي. جعجع جنّ جنونه. الجنرال ميشال عون يكاد يصل إلى قاب قوسين من حافة تفريغ غضبه لولا تطمينات تلقاها. الكتائب عارضت.
في مقلب الثامن من آذار "حزب الله" صامت في العلن، لكنه في حيرة من أمره. جنبلاط عاد ليلعب ادواراً لا تروق لفريق 14 آذار، وآخرها أن يظهر بمظهر العراب لمجيء رئيس للجمهورية من نسج افكاره.
ليس الأمر بهذه السهولة يقول صاحب هذا الرأي. وسعد الحريري ليس بطلاً كي يتمكن من الاتيان برئيس للجمهورية، ووضعيته سعودياً لا تؤهله لذلك في هذه المرحلة. وبصريح العبارة "انتهت مدته وملف الرئاسة ليس بيده". لكن السؤال هنا يفرض نفسه: هل يتجرأ الحريري على اقتراح إسم من دون علم المملكة؟ الجواب هنا أن إسم الرجل مطروح سعودياً، وهذا أمر صحيح ومؤكد، لكن ما بين الفكرة وتحقيقها مسافة ليس من السهل تخطي مراحلها. ولنفرض ان ثمة نية باقفال الملف الرئاسي، غير أن الاسم طُرح من باب اختبار النوايا، والمملكة طالما اكدت ولا تزال أن الاستحقاق لبناني والتوافق المسيحي حوله شرط اساسي، وهذا يعني أن المعارضة المسيحية هي العقبة.
بين كل هذه السيناريوهات والتحليلات ثمة قطبة مخفية لن يطول أمد الإعلان عنها، غير أن الواقع المفروغ منه هو أن التسوية لم تنضج بعد، وإلّا كانت كلمة السر كفيلة بأن تسدد لكل معارض ثمنه. غير أن أزيز الرصاص لا تزال يتردد صداه الى ما بعد.. بعد سوريا.