حسمها مرجع نيابي بارز أمام زواره عبر إجابة مقتضبة "رئيس حتماً"، من دون الإستفاضة بمجريات الأجواء الإقليمية، التي أفضت إلى طرح التسوية التي تسير كالسيل الجارف، فتنعش آمالاً وأحلاماً رئاسية عند البعض، ولكنها ترتاب منها قوى أخرى.
على أن المرجع لم يكثر من الشرح والتفصيل، متجاوزاً تساؤلات ضيوفه وإلحاحهم حول المستجدات التي أملت على سعد الحريري المغامرة بتحالفاته الراهنة، كما بوحدة فريقه السياسي، وربما تماسك تياره لاجل اعتماد ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة.
غير أنه كشف ما يسمى سيناريو الطرح السياسي المستجد، إذ شدد على أن القطبة المخفية لطرح فرنجية رئيساً تكمن بوصول رئيس للجمهورية يكون حليفاً لـ"حزب الله" والمقاومة، والحفاظ على اتفاق الطائف، كما الإبقاء على قانون الإنتخابات الأكثري وفق اعتماد القضاء كدائرة انتخابية.
من البديهي القول أن هذا الطرح، الذي يشدد عليه "المستقبل"، كما جنبلاط وبعض الفرقاء المسيحيين، وهو ما لا طاقة للجنرال ميشال عون على الالتزام به او تحقيقه، باعتبار أن موقفه من قانون الانتخابات حاسم وجازم، وخطابه السياسي مبني على ضرورة تحصيل حقوق المسيحيين المهدورة. أما اتفاق الطائف فقبل بنتائجه مكرهاً وبنصوصه بحكم الامر الواقع.
هذا لا يلغي ضرورة اجراء إصلاحات حقيقة وسط القناعة الراسخة بأن النظام السياسي اللبناني بات هرماً ومتخلفاً، إلا أن الوضع الاقليمي المتأزم وحالة عدم التوازن العربي في ظل الأزمات الضاربة من المشرق حتى المغرب وصولاً إلى عمق الخليج تحتّم أوليات أخرى في لبنان، أبرزها الإستقرار الداخلي، أي الحفاظ على كيان الدولة والمؤسسات، ولو شكلياً.
وهذا ما يدفع أكثر من طرف سلوك درب الواقعية السياسية عند مقاربة الواقع الحالي المأزوم، الامر الذي سيسبب أزمة عند الحلفاء لدى مختلف الأطراف، وقد يفضي إلى خريطة سياسية جديدة في لبنان، تنقضي معها مرحلة الفريقين 8 و 14 اذار وتشهد نشؤ تكتلات سياسية جديدة.
يبدو العبور الطبيعي أو الخطوة الاولى وتأمين "حالة الاستقرار الداخلي" اجراء انتخابات رئاسية في اسرع وقت، يليها تشكيل حكومة، ومن ثم الشروع بالاعداد لانتخابات نيابية في الصيف المقبل، على أن يسبقها "بروفه" عن طريق إجراء الانتخابات البلدية في ايار المقبل، وبالتالي نقل الإنقسامات السياسية الحاصلة من الشارع والإصطفافات المذهبية الى صناديق الاقتراع وترميم ما ينبغي ترميمه بالحياة السياسية العامة كما بمؤسسات الدولة.
هذا السيناريو يطرح تلقائياً دفع كل الخطوات الاصلاحية المفترضة نحو مرحلة أخرى، كي تتبلور اقليمياً ودولياً الصيغة المطروحة لحل الازمة السورية، وتجنيب لبنان لهيب الحرب السورية.
حالة الضياع السياسي جراء الطبخة الانتخابات الرئاسية لا تقتصر على جهة واحدة. فمن الظاهر أن الحريري يقود النقاش منفرداً بعيداً عن التنسيق الفعلي مع مكونات فريق 14 آذار، وابرزهم "القوات اللبنانية" كما جرت العادة، في حين تبدو حركة سليمان فرنجية ومشاوراته منفردة على رغم ارتياح 8 آذار، ولكن يقابلها "حزب الله" بالصمت المطبق، وتتوجس منها الرابية، على أن الطرفين يسرعان الخطى صوب الحل المنشود الذي بات جدياً. وفي المقابل يستعد عون وجعجع لالتقاط الفرصة المناسبة والهجوم السياسي، إن لم يكن الإنقضاض والقضاء على المبادرة السياسية وفق مقولة "عدم خطف خيارات المسيحيين". في المقابل هناك من يسأل بخبث شديد، هل يسعى "حزب الله" إلى تأمين ظهره في لبنان قبل قرار انسحابه من سوريا؟.