لا يضاهي فرحة عودة العسكريين من أسرهم من ايدي جبهة "النصرة" سوى الأمل بتحرير الجنود الباقين في قبضة تنظيم "داعش"، وإن كان التفاوض اللاحق معه يبدو أكثر صعوبة، وفيه الكثير من المشقة.
وهذا لا يعني تثبيطاً للعزائم وتقبلاً للواقع، خصوصاً أن بعض المطّلعين على ظروف التفاوض مع جبهة "النصرة" يعرفون تمام المعرفة أن الطريق لا تزال محفوفة بالمخاطر وبشروط تعجيزية، قد تصعّب مراحل التفاوض المقبلة.
وعلى رغم الفرحة بتحرير العسكريين بعد اختطاف طال أمده، لا بد من تشريح ما تضّمنه الاتفاق بين الدولة اللبنانية وجبهة "النصرة"، وما فيه من نقاط أعتبرها بعض المراقبين أنها صبّت في مصلحة هذه الجبهة، وبالأخص لجهة "تطويب" منطقة عرسال لها، وقد شاهدنا بالأمس كيف يسرح مسلحوها ويمرحون في شوارعها، وكأنهم في ساحات الوغى، وكأن الساحة ساحتهم.
وقد ذهب بعض المحللين إلى حدّ وصف هذا الاتفاق باتفاق القاهرة، الذي كرّس وقتها منطقة العرقوب منطقة نفوذ فلسطيني، وقد عُرفت آنذاك بـ"فتح لاند"، وهي كانت منطقة عصّية على الدولة اللبنانية، ومنها أنطلق مشروع "الوطن البديل"، حتى أن "ابو اياد" ذهب إلى اعتبار "أن طريق القدس تمرّ بجونيه. وكان هذا الاتفاق الشرارة الأولى لإندلاع الحرب اللبنانية العام 1975.
فالذي يقرأ جيداً بنود هذا الاتفاق، الذي بموجبه فُكّ أسر العسكريين، يلاحظ، بما لا يقبل الشك، أن جبهة "النصرة" حاولت الإفادة من هذه المسألة إلى أبعد الحدود، وهي تطمح لتكريس منطقة عرسال وامتداداتها "إمارة" لها، تتصرف بها على هواها.
قد يقول البعض أن المفاوضات مع هذه الجبهة كانت شاقة حتى اللحظة الأخيرة، وما كان في الإمكان أفضل مما كان، خصوصاً أن تحرير العسكريين الأسرى كان يستأهل هذا القدر من التنازلات، وإلاّ لما كانت تمتّ عملية الإفراج.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أن التفاوض مع جبهة "النصرة" كان شاقاً وعسيراً، فكيف ستكون عليه عملية التفاوض مع التنظيم الأكثر تشدّدأً، خصوصاً أن ما قبلت به الجبهة لن يرضي التنظيم، وهو سيطالب حتماً بالأكثر مقابل تحرير ما تيقى من جنودنا الذين يعانون الأمرّين، خصوصاً أن لا أحد يعرف مكان تواجدهم، وأن خطوط التواصل مع الخاطفين مقطوعة، وهذا ما اعترف به بالأمس اللواء عباس ابراهيم.
هذا الأمر لن ينغّص علينا فرحة عودة الجنود الأبطال إلى حضن الوطن وإلى ذويهم، ولكن الواقعية تفرض على جميع المسؤولين مزيداً من التعاون والجهوزية وعدم إضاعة فرصة الانتخابات الرئاسية، خشية أن يستفيقوا على ما لا يريده الجميع من وجود إمارة في الجغرافيا اللبنانية، خصوصاً أن الجهود الدولية مستمرة لحل الأزمة السورية، فتولد أزمة لبنانية لا يزال هذا المجتمع الدولي يحذّر منها.
هذا الأمر لا يدخل في إطار التخويف بل من الحرص على التعاطي مع المعطيات الحالية بكثير من الحذر والترقب، ولا نخال المسؤولين عن المؤسسات والاجهزة الامنية بغافلين عن هذه الناحية بالذات، وقد أثبت الجيش اللبناني أنه على قدر كبير من المسؤولية للحفاظ على الاستقرار العام والسلم الاهلي وللزود عن الوطن بكل ما أوتي من إرادة وعزم، ومهما غلت التضحيات.