قبل انتظار النتائج التي يمكن أن ينتجها الحراك السياسي القائم في أعقاب "خبطة" ترشيح رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية من قبل رئيس تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري. فمما لا شك فيه أن في الحركة بركة، ولو انعكست انقسامات جديدة بين ابناء الصف الواحد وخُلطت اوراق كثيرة وأحرقت أخرى. ولذلك يعتقد كثر أنه لا بد للأيام أن تثبت الحاجة الى إستمرار بعض التكتلات السياسية والأحلاف أو إنهائها. فهي التي جمدّت البلد وكرّست انقساماً عامودياً بين اللبنانيين، ولعلّ في التركيبات الجديدة ما يحتاجه المستقبل فيأتي الإستغناء عما سبقها في زمانه ومكانه الطبيعيين.
ويعتقد مرجع سياسي أن هامش الحركة تقلّص كثيراً لمام مجموعة من القيادات السياسية والحزبية ولن يسمح لها بعد اليوم باستمرارها في ممارسة الغش السياسي والتكاذب التي يتقنه البعض، قياساً على قدرته في نصب الكمائن والمقالب بقدر حجم اتقانه "لعبة البليارد" فيسجل مواقفه لتصيب بشظاياها أهل الداخل والخارج الأصدقاء والحلفاء كما الخصوم من دون أن يقيسها سلفاً ويبحث في تداعياتها المحتملة.
ومن هذه الخلفيات، تأتي أهمية الشروط الإقليمية والدولية التي تحكّمت باقتراح تسمية فرنجية لرئاسة الجمهورية، والتي ابدت تفهما للرفض، لكنها تمنت بلغة واضحة وصريحة أن الرفض لا يكفي والمطلوب إقتراح البدائل للخروج من مأزق الشغور الرئاسي بعيداً من الأسماء المرطوحة وصولاً الى تسمية أخرى تتوافر في شخصها مظاهر الإجماع الميثاقي المطلوب. وعلى هذه الأسس فقد أحيت هذه الضغوط العلاقات بين القيادات اللبنانية فتناسى البعض منهم خلافاته الداخلية وفتحت خطوط التواصل بين المواقع والقيادات بعيداً من أي إصطفاف سياسي أو مذهبي جامد. وهو ما أحيا شكلاً من أشكال الديمقراطية التي افتقدها اللبنانيون نتيجة عهود الوصاية التي سيرت البلد ومعه قادته على قاعدة أن هذا ما يريده القائد، و"ما دام البيك بيفكر عايزني فكر ليه".
لا يستخف كثر بأن الحراك السياسي الذي تجاوز الحواجز بين اللبنانيين فرض نوعاً من اليقظة الشعبية والسياسية والحزبية ما دفع الجميع الى نوع من الشفافية المرغوب بها فكشف كثر عما يختلج في العقول والقلوب من آراء غلفتها الممارسات السياسية المبرمجة على اساس من المصالح المتبادلة، وكاد البلد يدفع أثماناً لا يحتملها قياساً على حجم قدراته وعجزه عن تطويع الأحداث الخارجية باتجاه ما يضمن المصالح الداخلية للبلاد.
ومن هذه المنطلقات فقد فرمل زعيم "المستقبل" مشروعه بترشيح فرنجية لرئاسة الجمهورية على رغم إصراره على المضي في المواجهة الى النهاية الحتمية، وعلى رغم كل المصاعب التي تواجه الفكرة لدى الحلفاء والخصوم. ولذلك جاءت ورشة الإتصالات الجدية فليس هناك من يستخف بحركة المشاورات الجارية. فالرئيس امين الجميل أحد اقطاب الموارنة الأربعة في الرابية ظهر اليوم زائراً العماد عون ونظيره عضو الرباعي الماروني رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية في الرابية في لقاء مكاشفة ومصارحة غداً. ولن يكون مفاجئاً أن يزور الجميل معراب غداً بعد ان يطلع على حجم التنسيق بين الرابية ومعراب بعدما وضع في صورة ما تشهده الصيفي من مشاورات بعيداً من الأضواء ليس أقلها الإشارة الى تقويم حصيلة جولات موفديها على القيادات المسيحية كافة، في وقت تتسع فيه رقعة الحوار بين الكتائب و"المردة" عبر لجنة خاصة من قياديي الطرفين يلتقون بشكل منتظم منذ مدة بمعدل لقاء كل يومين أو ثلاثة .
وقبل ان تتكشف نتائج هذه اللقاءات ثمة ثابتة وحيدة انتجها حجم التهديد المتبادل بين معراب وبيت الوسط. ففي مقابل تجميد الحريري ترشيح فرنجية فرمل جعجع خطوته بترشيح عون. وإلى أن تأتي حركة المشاورات بجديد يمكن أن يغّير في المعادلات ومواقع القوى ليبقى السؤال مطروحاً عمّا إذا كان كل هذا الحراك سيؤدي الى التفاهم على مرشح توافقي ينهي الشغور في قصر بعبدا؟ ومن تراه سيكون من داخل السرب الرباعي بعدما فشلت التجارب بالمرشحين الأربعة بشكل من الأشكال.
وهل سينتصر من جديد دعاة خيار الوسطيين من خارج لائحة التحدي المتبادل. وهذا ما ستكشفه الأيام المقبلة لعل المخارج لن تكون بعيدة.