متأبطاً هواجسه وما حضّره من عبارات منتقاة، ذهب الوزير "سليمان فرنجية" منفرداً للقاء منافسه الرئاسي جنرال الرابية" ميشال عون" قاصدا في شكل زيارته أن تكون محررة حتى من ربطة العنق الرسمية في محاولة منه لإظهار أن كرسي الرئاسة مازالت شاغرة والجلوس عليها ما زال بمعية "عون"، إلا أن شكل الزيارة لم تستطع إصلاح ما أفسدته اندفاعة فرنجية نحو الرئاسة المشفوعة بدعم خارجي وداخلي أزرق واضح، فبدا المشهد يحمل عنوان "سؤال الخاطر" دون ان يعقبه رد بأن "شكر الله سعيكم"،
ربما كُثر عوّلوا على ما سيحمله لقاء "فرنجية- عون" من نتائج سريعة تُعبد طريق بعبدا امام "فرنجية" بعد مباركة "عونية" لذلك، إلا أن مربط "العقدة" ليس في الرابية ولا تمتلك "بنشعي" حتى سبيلا لحلها، حتى ولو استطاعت الحصول على ضوء أزرق للعبور بسلام نحوها، لأن العقدة مستقرة اليوم في ملعب حزب الله الذي شكّل موقفه المتدرج من الصامت الى المتردد فالخجول، حيال ترشيح فرنجية للرئاسة بدعم نوعي من خصمه الأزرق، علامة استفهام كبيرة لا يمكن غض الطرف عنها أو تبريرها ووضعها تحت خانة الإحراج فقط من "الصديق " و"الحليف" في آن. فلترشيح فرنجية المستجد أبعاد كثيرة تتعدى انعكاساتها حدود الخارطة اللبنانية، كما أن وصوله يؤشر الى ملامح جديدة للمنطقة لن يكون حزب الله وحلفائه بمنأى عن تداعياتها، ودلالات ذلك تتلخص بما يلي:
- ترشيح الوزير سليمان فرنجية المفاجئ من قبل سعد الحريري مع ما يمثله موقع الأول السياسي الداخلي ومع ما يربطه بالرئيس السوري بشار الأسد من علاقات تاريخية قوية، مباغتاً حلفائه في قوى 14 آذار ومتجاوزاً ما قد يحمله هذا الترشيح من انعكاسات جد سلبية على قاعدته الشعبية، شكل عامل غير مطمئن لدى حزب الله، لا بل أكثر، طرح هواجس وتساؤلات ضمنية عن دوافع ونوايا خصمه الأزرق وحلفائه، وعن ما قد يحضر من سناريوهات خلف هذا الترشيح، وهذا ربما ما يفسر صمت حزب الله طيلة الفترة السابقة عن الإدلاء باي تصريح واضح حيال هذه المبادرة.
- إن صمت حزب الله الذي تدرج حتى وصل الى الإعلان الخجول بان مرشحهم للرئاسة مازال "الجنرال عون"، لم يستطع أن يخفي هواجس الحزب من نتائج "الربح والخسارة" التي قد تترتب على أي خطوة متهورة من قبله في أي اتجاه لا سيما في هذه المرحلة، فمع بروز ملف الاستحقاق الرئاسي مجددًا إلى واجهة الاهتمام الدولي، أُخرج الملف من عهدة أفرقاء الداخل اللبناني الى عهدة القوى الخارجية التي لا توفر اليوم ورقة صغيرة أو كبيرة إلا وتتناش عليها بغية كسر معادلة التعادل السلبي التي صبغت السياسة الدولية والخارجية طيلة الفترة السابقة. وربما التصريح الذي جاء على لسان المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية بثينة شعبان مؤخراً في إشارتها إلى تاريخ روسيا في المنطقة والذي وصفته بـ:"تاريخ حليف وليس محتل" لافتة إلى "ظهور ملامح قطب جديد تتزعمه روسيا ويتمتع باستراتيجة مستقبيلة تؤسس على احترام الشرعية والمواثيق الدولية حيث ان الفيتو الروسي في مجلس الامن كان له الاثر الاكبر في منع ذهاب سورية نحو منحى ليبيا"، مضمون هذا التصريح ربما شكل الهاجس الاكبر لدى حزب الله وحليفه ايران من ما قد تحمله ملامح القطب الجديد للمنطقة من صعود نجم روسيا على حساب النفوذ الإيراني وحلفائه وتمدد نفوذها "بطرق مختلفة" الى مناطق عمل الأخير عهودا طويلة غير موفراً غالي أونفيس في سبيل امتلاك ورقتها والاستئثار بها.
- أضف إلى ذلك، عدم تتويج لقاء "الحريري- فرنجية" بلقاء مماثل بين "فرنجية" وأمين عام حزب الله "السيد نصرالله" حتى الساعة، مما يؤشر الى عدم وجود "لا" قطعية لترشيح الأخير وعدم وجود "نعم" واضحة لهذا الترشيح. ربما مرد ذلك قد يعود إلى علم وإدراك "حزب الله" إلى أن تسمية صديقه "فرنجية" لم تكن وليدة "وحي" هبط على "الحريري" في نومه ليبشره بضرورة تسمية "سليمان" للرئاسة، وانما هناك قوى دولية واقليمية دفعت باتجاه هذه المبادرة المصحوبة بمباركة سعودية وأميركية والتي لا شك أن لروسيا دور كبير فيها، وربما أبلغ الدلالات على ذلك ما جاء في التصريح الصريح للمتحدثة باسم الخارجية الروسية "ماريا زاخاروفا" مؤخراً التي شددت فيه على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية حفاظا على استقرار لبنان، مهولة باحتمال انفجار الوضع الامني فيه نتيجة "توغل بعض الفصائل الإرهابية مع اللاجئين السوررين لافتة الى وجود اشتباكات بين مقاتلي حزب الله وهؤلاء الارهابيين"، وأمام هذا الواقع يجد حزب الله نفسه محتاراً، واقعاً بين سندان المملكة العربية السعودية وحلفائها التي يتطلع بكل الوسائل الى ضرورة استمالتها وتسوية العلاقات معها مجدداً، وبين مطرقة الدب الروسي الهاجم على المنطقة بعتاده وعديده العسكري والدبلوماسي.
بكل حال، جميع المؤشرات تؤكد أن طريق "سليمان فرنجية" إلى بعبدا لم تقفل نهائيا حتى الساعة، إلا أن ذلك لا يعني أنها ليست محفوفة بالمخاطر حيث ستكون لورقة قيادة الجيش ولخاتم المثلث الذهبي "الجيش الشعب والمقاومة" حيزاً هاماً فيها أيضاً.
(ميرفت ملحم - محامٍ بالاستئناف)