قد يكون واحداً من مشاهد كثيرة هذا المشهد الذي رأيته وأنا آتٍ إلى عملي صباح اليوم، وهو حتماً من مخلفات السياسات الرعناء واللامسؤولة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه من حال تفكك وهريان واستنزاف.
مشهد قد نراه بعد اليوم كل يوم، وفي كل الأزقة وفي كل حيّ، وقد يصبح من عادياتنا التي تألفها العين وكأن لا شيء غريباً يحصل على مرأى ومسمع اؤلئك الذين يجرأون على تسمية أنفسهم مسؤولين عن شعب، قبل أن يصبح هذا الشعب في خبر كان.
مشهد لا يمكنك وأنت تراه إلاً أن يتخربط كل كيانك وتشعر بأنك في عالم آخر، عالم لا يُحترم فيه الإنسان وتهان كرامته وتمرّغ في الوحل والمهملات. والذنب، كل الذنب أن هذه المرأة التي تجرّ خلفها طفلين لم يتجاوز الكبير منهما سنّ الخامسة، لم تجد ما تسدّ به جوعها وجوع أطفالها، وقد هجرت الرأفة من القلوب، فلجأت إلى برميل القمامة تفتش فيه عما يمكن أن يكون قد تُرك فيه من فضلات، وهي تتسابق في ذلك مع الهررة والكلاب، علّها تجد ما يمكّنها من العيش حتى الغد، هي وأطفالها.
مشهد وددت لو أسعفتني يداي لالتقطت له صوراً ألصقها على جدران ضمائر المسؤولين.
لم أسأل عن هويتها، لأن الإنسان إنسان، أياً تكن هويته وجنسيته ولونه وعرقه.
هذه المرأة تفتش في المزابل عما يطرد عنها شبح الجوع، وقد يأتي يوم يفتشون عنا في مزبلة التاريخ.
أفرغت ما في جيبي، وكان قليلاً، في جيوب الصغار، وكأني احاول الهرب من تكبيت الضمير.
هذا المشهد آلمني حتى العظم، وكدت اذرف دمعة على ما آلت إليه أوضاعنا، نحن الذين نفتش عن طريقة للتخلص من النفايات، في الوقت الذي تحولّت فيه هذه القمامة مقصداً لمن يعضّه الجوع ولا يجد طعاماً إلاّ حيث الذلّ والهوان.
أختم ايماناً مني بأن الصمت في مثل هذه الحال أفضل من كلام لا يستطيع أن يخرق آذان صماء لا تسمع ولا تريد أن تسمع علّ صمتي يكون مدويّاً أكثر من خطبهم وتصريحاتهم.