"
اسمي مروة.. كوني مسلمة لا يعني أنني أقل أميركيةً منك ولا أقل إنسانية"، رسالة لاقت رواجاً عالمياً من شابة مغربية تدعى "مروة بالكر" وجهتها إلى المرشح الجمهوري في الانتخابات الأميركية المقبلة دونالد ترامب، بعد تأييده فكرة منح هويات خاصة بالمسلمين الأميركيين. ناشط سوري يدعى "أنس الأيوبي" رفع، هو أيضاً، لافتة في ساحة "الريببلك" وسط باريس كتب عليها "أنا مسلم ولست إرهابياً" تعبيراً على رفضه ربط الإسلام بالارهاب وبأن المسلمين يعانون من الفكر المتطرف أكثر من غيرهم. بالمقابل، 3 مسلمين خططوا لاختبار ردة فعل الاوروبيين على سؤال "أنا مسلم يصفونني بالارهابي.. أنا أثق بك. هل تثق بي؟ عانقني إذن". وكانت ردة الفعل أكثر من ايجابية.
هذه المبادرات والحملات، منها الفردي وأخرى جماعية، أصبحت حديث الساعة، وأهميتها تكمن في مواجهة التنظيمات الإرهابية كـ"داعش" و"النصرة" و"القاعدة" التي تنقل واقعاً عن مسلمين هم بَراء من ممارسات الإجرام التي يسوق له التكفيريون لتزييف مبادئ الإسلام الحقيقية، والتي ترتكز على المحبة والسلام والتسامح. وعلى الرغم من بساطة هذه المبادرات، فقد لعبت دوراً في مواجهة ظاهرة "الإسلاموفوبيا" أي "فوبيا الإسلام" أو "شبح الإسلام" الذي يؤرق الغرب في زمن "الدواعش".
في مقابل هذه المبادرات وفي مواجهة القتل والدمار وقطع الرؤوس والحرق والتعذيب الذي حصل بإسم "الإسلام الخاطئ"، منذ هجمات 11 أيلول التي شهدتها الولايات المتحدة في 2001 ، وصولاً إلى الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية في بداية 2015 ومؤخراً التفجيرات الأخيرة في باريس، بالإضافة إلى أحداث دولية أخرى في لندن ومدريد، يكشف تقرير أعدّته منظمة "تيل ماما" البريطانية لمكافحة "الإسلاموفوبيا" أن هذه المبادرات والجهود الفردية، لم تلقّ أو تبدد من الخوف القديم من الإسلام والمسلمين في الغرب، إذ تشير في إحصاءاتها أن المسلمين في بريطانيا تعرضوا منذ اعتداءات باريس لـ115 هجوماً، ومعظم الضحايا هن نساء وفتيات محجبات. كما أظهرت أن "مسلمو بريطانيا تعرضوا لأكثر من 100 جريمة كراهية كحرق مساجد ومصاحف وغيرها، خلال الأسبوع الذي تلا هجمات باريس الدموية، ما يسجّل ارتفاعا بنسبة 300 في المائة بالمقارنة مع متوسّط عدد جرائم الإسلاموفوبيا في البلد".
ما هي الإسلاموفوبيا؟
فمتى ظهرت الإسلاموفوبيا؟ وكيف انتشرت في الغرب إلى حد استغلال الفهم الخاطئ للإسلام من قبل مرشح أميركي طامح بأن يصبح رئيساً لأميركا، الذي قرر أن يعادي المسلمين ويشن حرباً دولية عليهم ليدعم حملته الإنتخابية ويجذب الأنظار إليه، قائلاً بشكل غير مباشر وفظّ ومرفوض "أنا أحب اميركا والمسلمون أعداء السلام"!!
عن هذه الظاهرة في فرنسا، يؤكد القاضي الدكتور محمد النقري، وهو رجل دين مسلم عاش فترة طويلة في فرنسا، في حديث خاص لـ
"لبنان 24" أن "هناك عوامل عدة أدت إلى انتشار الإسلاموفوبيا في فرنسا، منها سياسية وإقتصادية وإجتماعية وديموغرافية"، ويشرح: "بعد انهيار الإتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات، سعّت الدول والحكومات الغربية إلى خلق عدو خارجي جديد بعد الحزب الشيوعي من أجل تحقيق الإستقرار الداخلي، فقرروا أن العدو القادم هم "المسلمين"، كما كان للإعلام الفرنسي دوراً في نشر واستغلال الموضوع بطريقة خاطئة".
ويضيف النقري: "كما إنتهزت قوى اليمين السياسي والديني والعنصري المتطرف الفرصة لمهاجمة النازحين، ومنهم مؤسس "حزب الجبهة الوطنية" جون ماري لوبان، الذي ألقى خطابات تحريضية عديدة لمهاجمتهم، ولم يكتفِ بذلك، بل قام بتجنيد عناصر من خارج منطقته الانتخابية مستغلاً سوء أوضاعهم المعيشية وعدم معرفتهم بالإسلام، ليحاربوا المسلمين".
أما العامل الإجتماعي، يضيف النقري: "عندما جاء المغاربة والجزائريون إلى فرنسا، كانت الدولة بحاجة إليهم كأيدي عاملة رخيصة، وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفياتي، ومع ازدياد نسبة البطالة من العاملين الفرنسيين، اعتبر المواطنون الفرنسيون أن النازحين والمهاجرين يشكلون خطراً على لقمة عيشهم، وخصوصاً بعد أن بدأ النازحون يستفيدون من الإمتيازات الرعائية للدولة من رعاية صحية ودراسة ومعاش تقاعدي"، مضيفاً: "كما وُلدت مشكلة ديموغرافية سببها النزوح الكثيف، لتفاقم بعدها حالة الضياع بين ابناء النازحين الذين باتوا ما "بين بين"، أي بين الإنتماء الى أصولهم المسلمة والدولة التي ولدوا فيه".
ويتابع النقري: "هذه المشاكل وغيرها أدت إلى اضطهاد النازحين وأبناءهم، الذين عاشوا في ضواحي فقيرة دون أي اعتناء من الحكومات الفرنسية، فزادت نسبة الإجرام في تلك الضواحي وتحول معظمهم إلى سارق أو قاتل أو مجرم، وبالنسبة إلى المواطن الفرنسي، أصبح لديه كره إضافي لهم ولأماكن تجمعهم، حيث منبع الضجيج والإجرام"، ويشدد النقري على أنه "لا يمكن أن نتغاضى عن دور داعش في استغلال ضعف واضطهاد "المسلمين من أصل فرنسي" لتحريضهم على ممارسة أفعال إجرامية كالتي نشهدها حالياً في فرنسا، مقابل تامين المسكن والمعيشة المناسبة لهم".
إجهاض المسلمات خوفاً
أما الحل الذي يحد من "فوبيا الإسلام"، فيؤكد النقري على أن "العداء لا يمكن أن نواجهه بالكراهية"، معتبراً أن خسارة حزب الجبهة الوطنية (أقصى اليمين) في المرحلة الثانية بالانتخابات المحلية الفرنسية فرصة مهمة للمسلمين لإعادة تقييم تصرفاتهم واستغلال الفرصة لتبديل مواقف الغربيين تجاههم، كما من المهم أن تُنظَم مؤسسات إسلامية فرنسية لإعادة تكوين فكرة الإسلام بشكلها الصحيح والحقيقي، بعيداً عن أفكار التعصب الذي ينقله بعض المشايخ والأئمة الذين يأتون إلى فرنسا".
وينبه النقري من تفاقم أزمة الإسلاموفوبيا قائلاً: "لقد وصل الفهم الخاطئ للمسلمين إلى حد تصريح إحدى الحركات المتعصبة في بيانها الأخير بأهمية إجهاض المسلمات بهدف وقف ولادة أجيال من المسلمين الجُدد!".
صراع المستقبل.. "اليمين" و"داعش"
بدوره، أكد البروفسور في علم الإجتماع السياسي الدكتور ميشال سبع لـ
"لبنان 24"، أن "الغرب استقبل المسلمين أسوةً باليهود والبوذيين وغيرهم من الديانات، لكن التصرفات الإرهابية للحركات السلفية، نشرت نوعاً من العداء تجاه من يسمونهم المسيحيين والصليبيين، وإيديولوجية الارهاب البعيدة عن الإسلام"، أما التنظيمات الإرهابية كـ"داعش" و"القاعدة" فقد كرسوا وأكدوا المخاوف التي كانت منتشرة في أوروبا من قبل أحزاب "اليمين" التي تعتبر أن "المسلمين ليسوا فقط خطراً على البلاد، بل أيضاً على حياة الأوروبيين أيضاً"، والآن، أصبح الأجنبي يظن أن كل مسلم هو إرهابي".
ونقل سبع عن أحد المفكرين اليهود رؤيته المستقبلية، قائلاً: "المعركة الأساسية هي الصراع بين الإسلام والغرب، ويضيف ناقلاً ما قاله المفكر: "لسنا بحاجة إلى شن حروب أو نشر الفتنة، فهم سيقتلون بعضهم".
سياسياً، شدد سبع على أن "دولاً إسلامية كبرى تصدّر أيضاً الفكر الخاطئ عن الإسلام من خلال الحكم والانظمة الديكتاتورية، حيث حقوق المواطنين غير معطاة، وهم مجردون من حرية الرأي والتعبير والصحافة، وحقوق المرأة مهدورة، هذه الصورة تؤكد للغرب أن المسلمين ليسوا ضحايا، وأن المبادرات الإنسانية لوقف الخوف من الإسلام ليست واقعية"، مشدداً على أنه "لو أن هذه الدول أنفقت أموالها على تسليح جيوش لمحاربة داعش، بدلاً من الأموال التي تصرف في الحروب الإستقوائية، كنا شهدنا انتهاء "داعش".
ويضيف: "داعش" قد تنتهي عسكرياً، على الرغم من أن هذا الأمر يحتاج إلى مسار طويل جداً، لكن الإسلاموفوبيا هي وليدة فكر وثقافة داعشية ساهمت فيها الأفلام الاميركية الكرتونية التي أسست مفاهيم داعشية بشكل غير مباشر".
وعن رؤيته المستقبلية، يقول سبع إن "اليمين سيعود ليسيطر وسيكون هناك مجازر في أوروبا، إذ سيتحول المسلمون إلى داعشيين، أو بالمعنى الادق، سيحوّل اليمين المسلمين إلى دواعش، ليعطي ذريعة إلى محاربتهم".
المشكلة الأساسية أن الأوروبيين لا يفرقون بين التكفيريين والإسلاميين الحقيقيين. بنظرهم، المسلمون هم مسلحون يرتدون زياً أسوداً، ملثمين وأعينهم مليئة بالبغض والشراهة للدماء، يحملون في يد شعار "الدولة الإسلامية" وفي اليد الاخرى سكيناً. ولتنوير العالم لا بد من مبادرات كالتي ذُكرت، لعلها تنفع مبدئياً".