لا تبدو الحلول متاحة لمعالجة موضوع الرئاسة في الأمد المنظور، أقلّه قبل حلول السنة الجديدة، إذ وعلى رغم حديث صاحب المبادرة الباريسية سعد الحريري عن استمرار المعادلة التي أطلقها منذ بضعة أسابيع، فمن الواضح إنّها تراجعت الى حدّ قد لا يقلق مشجعيها حتى الساعة، ولكنّه يطرح أسئلة عديدة حول إمكانية نجاحها أو إنجاحها فعلياً ولو بعد حين.
وهذا التراجع يلخّصه أحد السفراء المنكبين على متابعة ترشيح رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية للرئاسة، بعد جولاته المكّوكية على الأقطاب السياسية المحلية، بقوله أنّه إذا كانت حظوظ فرنجية بالوصول الى بعبدا تقارب الـ40 في المئة عند انطلاق المبادرة منذ نحو الأسابيع الثلاثة، فإنّها اليوم لا تتجاوز الـ30 في المئة.
وأسباب هذا التراجع عديدة ومتشعبة، من صلبها تأكيد الجنرال ميشال عون على ترشيحه والتزام "حزب الله" بحليفه "الأوّل"، على رغم تعاطف الحزب مع فرنجية. ويأتي تمسّك عون بترشيحه للرئاسة من منطلق أنه اذا اقتنع الفريق الآخر، الممثل محلياً بقوى 14آذار، وإقليمياً بالمملكة العربية السعودية، بحليفه في 8 آذار رئيساً للجمهورية وتقبّل خطّه السياسي، فلا بدّ من أن يكون المجال متاحا أمامه هو أيضاً للوصول الى سدّة الرئاسة، وهو الأقوى شعبياً ومسيحياً، مما يجعله الأول على لائحة المرشحين من ضمن الفريق الواحد.
ويرى عون كما "حزب الله" انه قد يستغرق إقناع الخصوم في السياسة بهذا المبدأ بعض الوقت، إنما لابدّ من الإصرار عليه، خصوصاً أنّ الخط السعودي هو الخاسر في المنطقة حتى الساعة، لذا فإنّ الضغط على هذا الفريق لتحسين ظروف ومقومات المعادلة اللبنانية المطروحة هو أمر بديهي في السياسة، حتى ولو طال الإنتظار.
وقد سمع فرنجية لدى لقائه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله منذ بضعة أيام كلاماً من هذا القبيل، جعله يدرك أنّ الوقت لم يحن بعد لانتخابه رئيساً، ولو أنّ التسوية التي انطلقت من باريس ما زالت قائمة ما دام ترشيح عون غير مطروح حتى الساعة حتى لو اعتقد البعض أنّ ظروفه متوافرة. ولكن، من المؤكّد أنّ هذه التسوية مؤجلة إلى أمد غير محدّد، وأما قرار إنهاء مهلة ترشيح عون والعودة الى فرنجية فهو في يد "حزب الله".
وجزء من فرص إنجاح التسوية يبدو أنه ضاع في شكليات إطلاقها التي أثارت امتعاض بعض أقطاب السلطة في لبنان. ويُشاع أنّ تسريب نتائج لقاء باريس بهذه السرعة وقبل الافساح في المجال أمام الرجلين للعودة إلى قواعدهما وحلفائهما والبحث معهم بما تمّ التوصّل إليه، قد كان متعمّدا من قبل جهة أو جهات أرادت استباق الحدث لإخفائه وضرب التسوية من أساسها وقبل تبلورها.
وبين لقاء فرنجية وعون الأسبوع الفائت والإتصال الهاتفي المستجدّ للحريري برئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وهو أحد أبرز الممتعضين من التسوية، تتكاثر المساعي للملمة الأمور وإزالة التوتر الذي حصل جرّاء إطلاق مبادرة باريس، في الشكل كما في المضمون، تحضيراً لمناخ ملائم لها متى دقت ساعة التسوية. ولكن تبدو الأمور معلّقة نظراً إلى عدم توافر أيّ معطيات جديدة، لا محلياً ولا إقليميا، وفي ظلّ اقتناع الخط الإيراني بأنه هو الرابح في نزاعات المنطقة، وهو بالتالي غير مضطرّ لسلق اي قرار متعلّق بلبنان، مقابل كلام للخطّ الآخر، مفاده أنّ الجميع خاسر إقليميّاً ولا معادلة قوى واضحة تحتّم على السعودية وحلفائها مزيداً من التنازل في الداخل اللبناني، من المرجّح أن يطلّ رأس السنة على اللبنانيين.. ولا رأس للبلاد.