الأكيد أنّ سليمان فرنجية بنفسه لم يكن ليصّدق ما سمعته أذناه على مدى أكثر من ثلاثة أشهر، من رسائل تأتيه بالمباشر أو بالتواتر عن ميل تيار "المستقبل" الى ترشيحه لرئاسة الجمهورية. هو بنفسه لم يكن مقتنعاً بأن ما يوضع على طاولته، فيه من الجدّية ما يسمح له بأن يكون طرحاً متكاملاً، وظل يتعامل مع الهمسات على أنها مناورة جديدة من جانب هذا الصديق... إلى أن أتاه الجواب الدقيق الذي فصل الخيط الأبيض عن الأسود.
صحيح أنّ الرجل هو سليل عائلة تمتهن السياسة أباً عن جدّ، لكن "التطورات الزلزالية" جعلته من "المغضوب عليهم" كونه من محور الممانعة والصديق الشخصي للرئيس السوري بشار الأسد، وحولت مسألة ترشيحه إلى ضرب من ضروب الخيال.
المتحمسون له كانوا يعتقدون أنّ هذا اليوم ما كان ليأتي الا في حال كان انتصار الجبهة الإيرانية في المنطقة "نظيفاً" ما يتيح لحلفائها أن يتوجوا الأمر وفق قاعدة غالب ومغلوب، وبالتالي اختيار الماروني الحليف لرئاسة الجمهورية. ومع أنّ الجنرال ميشال عون له الأولوية وحقّ الأقدمية، الا أنّ ترئيس القطب الزغرتاوي، كان مرتبطاً بنظر المتحمسين له بتغيّر الظروف الاقليمية، لا أكثر، بعد تراجع طبعاً الحليف البرتقالي.
لماذا هو؟ لماذا اختاره سعد الحريري دون سواه؟
لسبب بسيط هو أنّ سعد الحريري يريد العودة الى بيروت من "مطار" السراي الحكومية، والقناعة صارت ثابتة لدى هذا الفريق أنّ قوى الثامن من آذار لن ترضى بعد اليوم بفعل التطورات الخارجية التي يعترف الخصوم أنّها تصبّ لمصلحة المحور الإيراني، برئيس لا يشبهها لا بل أن يكون ابن هذا المحور. وطالما أنّ "الفيتو" السعودي على الجنرال ميشال عون يجعل مسألة ترئيسه مستحيلة، خصوصاً أنّ الإدارة الأميركية، كما يجزم المتابعون، غير مستعدة للعمل على رفع هذا الفيتو... فإنّ الخيار المتبقي أمام هذه المعادلة، هو سليمان فرنجية.
لا يخشى المتحمسون لهذا الخيار من أن يدفّعهم ترئيس زعيم "المردة" ثمناً باهظاً خلال عهده الرئاسي، ويعتبرون أن لديه من البراغماتية ما يساعده على تدوير الزوايا وجعل العلاقة مع "خصوم الأمس" مرنة تحت عنوان أن يكون رئيساً لكل الناس. ولا يشعر هؤلاء أّنّ الحدّية التي اتسم بها خطابه في بعض المراحل ستتلاصق مع أدائه في حال كان سيد بعبدا، لأن لكل مقام مقالاً، والرجل يعرف جيداً هذا المقام.
ولهذا لا يرون في كونه ابن الخط السياسي سبباً قد يحول دون التفاهم معه على القضايا والتفاصيل السياسية، خصوصاً أنّ تيار "المستقبل" بنفسه صار مقتنعاً بأن القضايا الاستراتيجة لا خبز للبنانيين فيها، وهي لا تحلّ الا بتفاهم خارجي اقليمي.
وهناك من يذهب الى حدّ نبش شريط عهد اميل لحود الذي كان محمياً بالوصاية السورية وجيشها، ولم يخرج يوماً عن الدستور والقوانين المرعية الاجراء، ولا يمكن بالتالي لأي رئيس سواء كان فرنجية أو غيره أن يتجاوز الدستور، ما يعني أنه لا خشية من إيصال الرجل إلى كرسي الموارنة حتى لو كان صديق بشار الأسد.