لا شك في أن اعتراض "حزب الله"، ومعه العماد ميشال عون على "التسوية الباريسية"، وهما ركنان أساسيان من أركان 8 آذار، "فرمل" إندفاعة الرئيس سعد الحريري، الذي كان يأمل في أن يلاقي طرحه قبولاً من الجميع، وبالأخصّ من القوى التي ينتمي إليها رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية سياسياً.
ومما خفّف من هذه الحماسة الموقف الذي اتخذته "القوات اللبنانية"، التي تُعتبر أو هكذا يُفترض أن تكون الحليف الأساسي لتيار "المستقبل"، ولها عليه أكثر من عتب بعدما غيّبها عن سمع خفايا لقاء باريس، وما سبقه من تحضيرات وما تلاه من محادثات. وفي هذا العتب دلالات كثيرة إنعكست توتراً في العلاقات بين معراب و"بيت الوسط"، على رغم محاولات ترميم هذه العلاقة، التي تبدو غير قابلة لـ"الترقيع"، خصوصاً أن ما يتناهى من أصداء عن استمرار الرئيس الحريري في مبادرته، وهو يأمل حلحلة في موقف "حزب الله"، الذي سيرى نفسه مضطراً إلى السير بخيار فرنجية، وفق ما يتمّ تداوله في غرف "المستقبل"المغلقة.
إلاّ أن ما يقلق الحريري أكثر في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة هو بعض المواقف التي اتخذها ويتخذها بعض من يُفترض بهم أن يكونوا إلى جانبه في معركته الرئاسية والحكومية في آن، ومن بينهم وزير العدل اللواء أشرف ريفي، الذي أعلنها صراحة وفي الإعلام أنه لن يسير بهذه التسوية، من دون أن يذكر المبررات التي دفعته إلى اتخاذ مثل هذا الموقف المتقدم، وإن كان البعض يشير إلى أنه "يمشط" لذقنه ليكون هو البديل لرئاسة الحكومة، في حال فشلت خطة الحريري، الذي يلعب بـ"صولده" السياسي، عندما وضع كل بيضاته في سلّة فرنجية.
ومن بين المواقف التي ازعجت الحريري أيضاً تلك التي أعلنها رئيس كتلة "المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، وله أيضاً في ذلك حساباته الخاصة وطموحاته الشخصية، عندما حاول التقليل من أهمية هذه الخطوة، رافضاً تسميتها بـ"المبادرة"، وقال عنها إنها مجرد أفكار لم تنضج بعد، وهو بذلك يناقض ما قام به الحريري، وما يسعى القيام به، وهو قرر العودة إلى بيروت، ولو لبضعة أيام، ليضع الأمور في نصابها الصحيح، ولكي يقول للأقربين قبل الأبعدين أن "القرار المستقبلي"لا يزال ملك يديه، وأن أي موقف آخر لا يكون صادراً عن مركزية القرار لا يعدو كونه سوى زوبعة في فنجان.
فقبل أي خطوة نحو الآخرين لإقناعهم بالسير في ما يراه مناسباً للمرحلة الآتية، سيحاول الحريري "ضبضبة" البيت الداخلي، بما يؤمن له أرضية صلبة يستطيع الانطلاق منها وتحمي خاصرته الضعيفة في معركته الكبرى.