أن تشارك في أي اجتماع عربي، على أي مستوى كان يعني أن تتخلى عن بعض ما تعتقده صحيحاً، وإن كنا في لبنان غير بعيدين عن هذه الاجواء كثيراً.
فإذا كان الاجتماع محدّدا موعده عند الساعة العاشرة مثلاً، عليك أن تأتي عند الحادية عشرة، لأنك لو التزمت بهذا الموعد فعليك أن تنتظر ساعة من الوقت في أحاديث جانبية، إجمالاً ما تكون خارج سياق المواضيع المخصصة لهذا الاجتماع. وعندما تسأل عن سبب التأخير يأتيك الجواب: الموعد على "الساعة اللبنانية". وهذا يعني، للأسف، أننا أصبحنا مضرب مثل في عدم الألتزام بالمواعيد وعدم إحترامها.
يبدأ الاجتماع ويبدأ معه عرض العضلات الكلامية، وغالباً ما تكون خارج المواضيع المطروحة للنقاش، ويبدأ "سوق عكاظ" من نوع آخر، ويختلط الحابل بالنابل، وتتداخل الكلمات التي لا تخلو من الصراخ، وكأن كل واحد يريد اثبات وجهة نظره، من دون الاستماع إلى آراء الاخرين، فتتحول مهمة من يرأس الاجتماع إلى مهمة حكم تنقصه صفارة، ولا تعود تنفع في هذه الحال لا البطاقات الصفراء ولا حتى الحمراء، لأن هدف الرؤوس الحامية تسجيل اكثر من هدف في مرمى الآخرين، أياً يكن الثمن.
ولهذا، فعلى الذين هم غير معتادين على هذا النمط من الحوار العشوائي، والذين لا يزالون يعتقدون أن مثل هذه الاجتماعات ستفضي إلى نتائج مرضّية، عليهم أن يتزودوا بكميات كبيرة من الحبوب المهدئة للاعصاب، وهي متوافرة بكثرة وهي لا تحتاج إلى وصفات طبية.
بهذه الطريقة وحدها يمكنك المشاركة في حلبات "المصارعة" العربية، ويمكنك أن تستمع إلى كل هذا الجدل البيزنطي من دون أن تتوتر اعصابك، ومن دون أن تصاب بالإحباط والقنوط، إلى أن يحين وقت "البريك"، وهي أوقات تطول عادة أكثر من جلسات المناقشة. وبين كل جلسة وأخرى "بريك" طويل، يتخلله شرب القهوة وأكل الحلويات وشرب العصير.
والأغرب من كل ذلك أن التوصيات تكون جاهزة، وهي لا تحتاج إلاّ للتصويت الشكلي.