لم يناقش الرئيس سعد الحريري من لقنّه المبادرة، بل "الفكرة"، حسبما وصفها وزير الداخلية نهاد المشنوق، التي طرحها مع زعيم "تيار المردة" النائب سليمان فرنجية في لقائهما الباريسي، فلا سألهم: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟ فكلّ ما حاز على اهتمامه فيها أنّها ستحقق "طموحه" بالوصول إلى رئاسة الحكومة مقابل وصول فرنجية الى رئاسة الجمهورية.
ويقول "مستقبليون" إنّ مسؤولي "تيار المستقبل" ومحازبيه وجمهوره الذين فوجئوا بالمبادرة، والذين بدأوا يطلقون عليها تسميات من مثل أنّها "فكرة" وليست مبادرة واشتراطهم موافقة "حزب الله" المسبقة عليها قبل أن يعلنها الحريري رسمياً، أنّ الحريري بات لا يجد سبيلاً أمامه لإستعادة التيار الذي تشتت ولاءاته بين أركانه إلى "بيت طاعته" إلّا بالعودة الى السلطة خصوصا بعدما شعر جدياً أن ابتعاده عن لبنان دفع بعض الصقور "المستقبليين" إلى بناء مصالح سياسية آنية ومستقبلية على حساب "التيار الأزرق" بلا حسيب او رقيب فباتوا يتصرفون أن الحريري غير موجود، وقد لا يعود، و"من سبق شم الحبق".
لم يتعود الحريري سماع كلمة "لا" من أيّ من "المستقبليين"، حتى من كبيرهم ورئيس كتلتهم النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، ولكنه بات يسمعها تقال له بكلّ جرأة ومن دون خوف أو وجل.. وهذه الـ"لا" ليست تعبيراً عن مناورة وتبادل أدوار في لعبة "المستقبل" السياسية مع الآخرين، وإنّما هي تعبير عن انقسام الولاءات الداخلية الخارجية داخل "المستقبل".
"سعد الحريري هو غير رفيق الحريري"، يقول أحد أصدقائه لـ"لبنان24"، مضيفاً: "الحريري الأب كان بلدوزر سياسي واتقن لعبة شفير الهاوية يصعد ويصعد ثم يساوم ويعرف كيف يساوم، ولم يكن أيّ من معاونيه يتجاوز الحدود معه، إذ كان قوياَ بغير شدة وليناً بغير ضعف. أمّا الحريري الإبن فليس كالأب، يتلقى الفكرة ويقدمها ولا يجترح فكرة إلّا في ما ندر، ويعتمد غالباً على المستشارين".
ما يهم الحريري، يقول صديقه، هو أنّه يريد العودة إلى رئاسة الحكومة بأيّ ثمن لأنّه يشعر أن بيئته لم يعد الأكثر تأثيراً فيها، بل بات الأضعف، لأنّ ولاءاتها باتت موزعة بين كثيرين باتوا اشد تأثيرا فيها، وهذا ما دفعه عام 2014 الى الاستنكاف عن المشاركة في الانتخابات والتمسك بتمديد ثان لمجلس النواب متذرعا بوجب انتخاب رئيس جديد الجمهورية قبل أيّ انتخابات نيابية، لأنه ادرك انه كان سيفوز بقلة من المقاعد النيابية أمام منافسيه داخل بيئته وخارجها. لقد هرب الحريري يومها إلى الأمام، وها هو اليوم يهرب مجددا في اتجاه العودة إلى السلطة معتقداً أنّ وصوله إلى رئاسة الحكومة والذهاب الى الانتخابات بموجب قانون الستين مجددا سيمكنه من الفوز بكتلة نيابية كبيرة. لكنه لم يدرك بعد ان "نقزة" حلفائه الذين تجاهلهم منه، لن تعيد الحلف بينه وبينهم مستقبلاً كما كان، "لأنّ المؤمن لن يُلدَغ من جحر مرتين"، ولأنّ رعاته الإقليميين لم يعد المدلل الوحيد عندهم، خصوصا بعدما اكتشفوا أنّ الزعامات والقيادات الأخرى في بيئته لم تخطئ التصرف معهم وليست بالسوء الذي كان يصوره الحريري ولم تمارس فعل "خيانة الطائفة" الذي اتهمها به ليبقى ذلك "المدلل الوحيد" أمام هؤلاء الرعاة.
ويقول صديق الحريري نفسه أيضاً أنّ الأخير عندما انفتح في وقت سابق على عون الذي حاوره في موضوع قبوله رئيساً توافقيّاً للجمهورية أكد له فعلاً أنّه يقبل به رئيساً، ولكنه عندما أدرك أنّه غير قادر على السير في هذا الخيار وأنّ حلفاءه يضعون "فيتو" على عون برر موقفه لحلفائه ولأصدقائه بأنه ناور سياسيا مع عون ليوقع بينه وبين حلفائه وعلى رأسهم حزب الله.
لكن حال الحريري الآن مع المبادرة التي قدمها لفرنجية مختلفة تماماً، هو يؤيد انتخابه رئيسا للجمهورية ولكن حلفاء فرنجية بعضهم يعارض والبعض الآخر يتدلل، وبعض ثالث لا يريد ان يكون الحريري رئيسا للحكومة، فيما الجهات الاقليمية والدولية منقسمة هي الأخرى بين مؤيدة للمبادرة ومعارضة او متحفظة، وبعضها يتحفظ عن "رئاسة" فرنجية وعن عودة الحريري الى رئاسة الحكومة.. فإذا سقطت المبادرة أمام تمسك عون بترشيحه سيبقى فرنجية مرشحا كخيار ثان ويبقى المستقبل أمامه، فيما ستسقط حظوظ الحريري بالوصول إلى رئاسة الحكومة وسيصاب بنكسة سياسية لمصلحة قادة آخرين باتوا مجربين وأجدر منه لهذه المهمة ولديهم من الصدقية والمواصفات والمؤهلات والدهاء ما يطغى على صدقيته ومواصفاته ومؤهلاته.