منذ ثلاثة أيام احتفل اللبنانيون بذكرى المولد النبوي الشريف. واليوم يحتفلون بذكرى الميلاد المجيد. فكانت هدايا وأمنيات وأجواء فرح وسلام ومحبة... وغداً يحتفلون برأس السنة الميلادية، فتعود الايام لتتشابه في رتابة مقيتة وفي الدوران في الحلقات المفرغة، وفي الفراغ من الداخل ومن الخارج.
وحدها الأزمات، وما أكثرها، لم تعيّد. فلا تستريح ولا تجعل احداً يستريح. تنتقل من سنة إلى أخرى، ومن عيد إلى عيد آخر، حاملة معها ما كل ما يثقل الكاهل وما يجعل الحياة مرهقة بالمتاعب والمشاكل والتعقيدات، ومكبلة بكمّ هائل من ترسبات الماضي غير المفتوح على أي افق حل منتظر أو موعود.
فالأعياد وما تحمله من امل وفرح قصيرة وتمضي بسرعة، ولكنها تضفي بعضاً من اللمسات التي نفتقدها في يومياتنا الراكضة ركضاً من دون توقف. ويكفي أن تجتمع العائلة في الاعياد لتبادل الهدايا وأطراف الحديث البعيد عن الهموم، بعدما حلّ مكانه "السلولير"، الذي خطف منا دفء العلاقات، وباتت زيارات المعايدة، وما فيها من شعور اللقاء بمن نحب، مقتصرة على الرسائل الفصيرة عبر "الواتس اب" أو الـ "أس أم أس"، وهي رسائل جامدة لا تعبّر جيداً عن عمق المشاعر.
تنتهي الأعياد لتبدأ من جديد دورة الحياة، بما فيها من هموم ومشاكل، تبدأ بالخاص ولا تنتهي بالعام، وهما غالباً ما يكونان متلازمين، إذ يتأثر الخاص بالعام. ولا يكون للأخير أي تأثير إيجابي على الأول، باعتبار أن لا شيء فيه يدعو إلى التفاؤل والإيجابية. والأنكى من ذلك أن الأزمات المثقل بها البلد تستولد أزمات أكثر تعقيداً وأكثر استعصاء على الحل، وهي ترّحل من عام إلى آخر.
وقد تكون أمّ الأزمات المستعصية، أي أزمة رئاسة الجمهورية، القابضة على أنفاس البلد، قد دخلت في إجازة مدفوعة الأتعاب من جيوب اللبنانيين ومن عافيتهم ومستقبلهم، وهي إجازة مفتوحة، على ما يبدو، بعدما سُدّت في وجهها كل الأبواب، ومُنع عنها الهواء، وقد حوصرت المبادرات بتصلب من هنا وبعدم مبالاة من هناك، لتدخل البلد في المجهول المفتوح على شتى الاحتمالات، ولن يكون أقلها التأثر بالشظايا المتطايرة من حروب الجوار، وهي حروب لم تعيّد ولم تسترح.