عندما أُبلغت ليزا داتون في عام 2017 بأنها أصبحت خالية من سرطان الثدي، احتفلت مع عائلتها وأصدقائها، لكن الفكرة لم تغادرها: رحلة السرطان قد لا تنتهي هنا. فجزء من المرضى الذين تُزال أورامهم قد يواجهون عودة المرض لاحقاً، أحياناً بعد سنوات طويلة. هذا القلق، كما تقول داتون، يبقى “في خلفية الذهن” ويصنع توتراً دائماً.
في قلب هذا اللغز، يسلّط باحثون الضوء على احتمال بات يحظى باهتمام متزايد: وجود خلايا ورمية خاملة أو “نائمة” تختبئ في الجسم بعد العلاج. هذه الخلايا، المعروفة أيضاً بالخلايا السرطانية المنتشرة، قد تغادر الورم الأساسي مبكراً وتستقر في أماكن مثل نخاع العظم أو العقد اللمفاوية. بخلاف الصورة الشائعة للانتشار السرطاني، لا تبدأ هذه الخلايا فوراً بالتكاثر وتشكيل أورام جديدة، بل تدخل في حالة كمون: لا تنقسم بنشاط، ولا تظهر بسهولة أمام جهاز المناعة، ولا تكون هدفاً مثالياً لعلاجات تُصمم أساساً لضرب الخلايا سريعة الانقسام مثل العلاج الكيميائي.
داتون كانت جزءاً من تجربة سريرية اسمها SURMOUNT هدفها مراقبة هذه الخلايا لدى المرضى بعد العلاج. ورغم أنها كانت تدرك أن العلاج قد لا يمحو كل أثر للمرض، تفاجأت في 2020 حين اكتُشفت للمرة الأولى خلايا خاملة في نخاع عظمها. التجربة الأولى كانت “رقابية” أكثر منها
علاجية، لكنها فتحت الباب أمام خطوة ثانية: داتون التحقت لاحقاً بتجربة أخرى تُدعى CLEVER تحاول استهداف هذه الخلايا والقضاء عليها.
الاهتمام بهذه الظاهرة ليس محصوراً بسرطان الثدي. الباحثون يربطون الخلايا الخاملة بسرطانات أخرى مثل البروستاتا والرئة والقولون وغيرها، ويُقدّر أن نحو 30% من الأشخاص الذين عولجوا بنجاح قد يحملون خلايا خاملة، مع مؤشرات بحثية غير منشورة تلمّح إلى أن النسبة قد تكون أعلى. خلال العقد الماضي، تسارعت الجهود لفهم هذه الخلايا: كيف تتكون، ولماذا تدخل في السبات، وما الذي يدفعها للاستيقاظ.
فكرة “الكمون” ليست جديدة تماماً. طُرحت منذ ثلاثينيات القرن الماضي لتفسير نمو سرطانات ثانوية بعد فترة من العلاج. لكن الفكرة بقيت هامشية لعقود، جزئياً لأن الاعتقاد السائد كان أن عودة السرطان تعني ظهور سرطان “جديد” لا علاقة له بالتشخيص الأول، أو لأن كثيرين لم يرغبوا في التسليم بأن الأدوية قد تترك شيئاً خلفها. مع تراكم الأدلة وتطوّر أدوات الرصد الخلوي، بدأ المجال يتحول إلى ساحة بحثية ناشطة، حتى باتت التجارب السريرية اليوم تُعد دليلاً على “حجم التقدم” المحقق.
لكن تحديد هذه الخلايا ليس مهمة سهلة. فهي نادرة جداً في “الملاجئ” التي تختبئ فيها، وقد تكون مجرد خلايا قليلة بين ملايين الخلايا السليمة. يعتمد العلماء على مؤشرات خلوية لرصدها ومعرفة أصلها ونشاطها، لكن الأدوات ليست مثالية بعد، ولا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت بعض الخلايا أكثر ميلاً إلى الدخول في الكمون من غيرها، وما السمات التي تميزها بدقة. بعض الباحثين يميلون إلى مقاربة جديدة: بدلاً من تعريف الخلايا المنتشرة بحسب شكلها أو خصائص متوقعة، ينبغي مطابقة طفراتها الجينية مع طفرات الورم الأصلي لمعرفة هويتها على نحو أدق، لأن الخلايا بعد انتشارها قد تغيّر شكلها وسلوكها.
السؤال الأصعب يبقى: ما الذي يضع الخلية في النوم، وما الذي يوقظها؟ أحد التفسيرات أن الكمون قد يكون “استراتيجية بقاء”. فالخلية حين تنفصل عن الورم تصبح وحدها وأكثر عرضة لأن يلتقطها جهاز المناعة، كما أن رحلتها عبر الجسم قاسية وتميت الغالبية الساحقة من الخلايا المنفلتة. لذلك قد تساعد حالة السبات الخلية على البقاء في بيئة معادية إلى أن تصبح الظروف مناسبة.
الأبحاث تشير أيضاً إلى أن الخلايا الخاملة لا تكون “ساكنة” تماماً، بل تتواصل مع بيئتها الدقيقة وتضبط برامجها الحيوية للحفاظ على الكمون. من الأمثلة تعديل مسارات مرتبطة بالنمو والتمثيل الغذائي مثل mTOR، واستخدام “الالتهام الذاتي” كآلية لإعادة تدوير الموارد الداخلية والعيش بأقل قدر من الدعم الخارجي. في الوقت نفسه، علاقة هذه الخلايا بالمناعة معقدة: قد تسهم الاستجابة المناعية في إدخال الخلايا في الكمون أو تثبيته، كما قد تخلق تغيرات معينة فرصة لإنهائه.
وتلمّح دراسات إلى أن اضطراب “المشهد المناعي” قد يكون مفتاح الاستيقاظ: إصابات أو أمراض، وتلف خلوي، وحتى عدوى مثل كوفيد-19 والإنفلونزا، ارتبطت في أبحاث حديثة بإمكانية خروج الخلايا من السبات. كما تُطرح عوامل أخرى مثل التقدم في السن، والتليف، والضغط المزمن، وخيارات نمط الحياة كعناصر قد تميل بالكفة نحو إعادة التنشيط، وإن كانت الصورة لا تزال قيد التحقق.
في العلاج، لا يبدو أن هناك وصفة واحدة تكفي. نقطة التحول التنظيمية جاءت حين وسّعت هيئة الغذاء والدواء الأميركية عام 2018 مفهوم فعالية علاجات السرطان ليشمل ليس فقط تقليص الأورام، بل أيضاً منع أو تأخير نمو الأورام الثانوية. ومن هنا، ظهرت استراتيجيات متنوعة: بعض الباحثين يحاول “كشف” الخلايا الخاملة أمام المناعة، مثل اختبار ما إذا كانت علاجات من نوع CAR-T قد تزيد فرص احتكاك الخلايا المناعية بهذه الخلايا النادرة. آخرون يفضّلون ضرب مسارات البقاء والاستجابة للضغط داخل الخلية، أو استهداف الآليات التي تسمح لها بالتحمل في بيئات لا يُفترض أن تعيش فيها.
أبرز النتائج السريرية في النص ترتبط بتجربة CLEVER التي تعتمد على تعطيل “الالتهام الذاتي”. في هذه التجربة، تلقى نحو 50 مريضاً بهيدروكسي كلوروكين وحده أو مع دواء إيفيروليموس الذي يعطل مسار mTOR. كلا العلاجين خفّض عدد الخلايا الخاملة، لكن التأثير كان أقوى بوضوح مع العلاج المزدوج، إذ أُفيد بأن المزيج أزال الخلايا الخاملة لدى 87% من المشاركين بعد 6 إلى 12 شهراً. الهدف الآن، وفق ما يرد في المادة، هو الوصول إلى “كوكتيل” علاجي أمثل قبل إطلاق تجربة أكبر، مع قناعة متزايدة بأن التعامل مع الكمون قد يتطلب مجموعة أدوات متعددة تُفصّل بحسب حالة المريض.
أما داتون، فوافقت على متابعة طويلة ضمن تجربة SURMOUNT بعد تمديد تمويلها، وستُراقب لسنوات إضافية. تقول إن معرفة ما يحدث داخل جسمها تمنحها قدراً من الطمأنينة، وفي الوقت نفسه تساعد العلماء على فهم هذا التهديد الصامت الذي قد يبقى مختبئاً حتى بعد إعلان الشفاء. (nature)