Advertisement

تكنولوجيا وعلوم

السلاحف... وظائف بيئية وذاكرة خارقة

Lebanon 24
05-01-2022 | 10:00
A-
A+
Doc-P-903976-637769695443193633.jpg
Doc-P-903976-637769695443193633.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
A+
A-
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
بعيدا عن الصورة المعروفة عنها بكونها من الحيوانات بطيئة الحركة، تتمتع السلاحف البرية العملاقة بقدرات إدراكية مدهشة. وبما أنها ظهرت تقريبا في نفس الحقبة الزمنية مع الديناصورات الأولى، فإن الحفاظ عليها من الانقراض يعتبر أولوية.
Advertisement

وفي تقرير نشرته مجلة "لوبس" (L’OBs) الفرنسية قال الكاتب جان بول فريتز إن مشية السلحفاة توحي بأن مداركها العقلية بطيئة تماما مثل حركاتها. لكن العلماء الذين أجروا دراسات حول قدرات السلحفاة المعرفية أكّدوا عكس ذلك.

وذكر الكاتب أن السلاحف تنقسم إلى صنفين، سلاحف بحرية نراها غالبا في أحواض السمك أو في الوجبات الغذائية في بعض البلدان، وسلاحف برية أشهرها السلاحف العملاقة التي تعيش في جزر غالاباغوس. وقد حظي النوع الثاني باهتمام خاص.

شخصية مميزة
يتمتع هذا النوع من الزواحف بذاكرة مذهلة تماما مثل الفيلة. ورغم قلة الدراسات العلمية حول السلاحف العملاقة في جزر غالاباغوس؛ فإن الخبراء الذين اهتموا بهذا النوع كونوا فكرة عن قدراتها الذهنية.

ووفق العالم البريطاني تشارلز داروين، الذي درس كيفية تطور هذه الكائنات، فإن سلاحف غالاباغوس تقوم برحلات طويلة بين مواقع الغذاء ومصادر الماء والمكان الذي تنام فيه وحيث تأخذ حمامات الطين، وإنّ تذكّر كل ذلك يتطلب ذاكرة جيدة.

عمل فريق علمي بقيادة العالمة تامار جوتنيك من معهد "أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا" (Okinawa Institute of Science and Technology) الياباني على دراسة هذه السلاحف المثيرة للاهتمام.

وقد سبق أن أتيحت للدكتورة جوتنيك فرصة متابعة السلاحف السيشيلية العملاقة عن كثب في حديقة حيوان فيينا عندما كانت طالبة ماجستير. تقول جونتيك "عندما قابلت هذه السلاحف، وقعت في حبها على الفور. كان واضحا بالنسبة لي أن شخصيتها مميزة جدا وغالبا ما يسبب لها ذلك المضايقة".

لم يكن لدى تامار جوتنيك أدنى فكرة عن قدرات ذاكرة هذا النوع من السلاحف. وفي دراسة نُشرت في دورية "أنيمال كوجنيشن" (Animal Cognition)، قدمت جوتنيك وزملاؤها تفاصيل عملهم على السلاحف العملاقة في جزر غالاباغوس والسيشل وحدائق الحيوان في فيينا وزيورخ. وفي هذه الدراسة، قامت السلاحف بـ3 مهام ذات صعوبة متزايدة، وكانت مكافأتها في كل مرة تنجح فيها تناول أطعمتها المفضلة مثل الجزر والبنجر والهندباء.

ذاكرة الفيلة
في إطار هذه الدراسة، تمثّلت مهمة العلماء الأولى في تدريب السلاحف على عض كرة ملونة في نهاية عصا. وبمجرد إتقان التمرين، قام الباحثون بتحريك الكرة لمسافة متر أو مترين حتى تتحرك السلاحف معها وتواصل عض الكرة. وأخيرا، خصصوا لونا معينا لكل حيوان وعلموا السلاحف كيفية التعرف على الكرة الخاصة بهم من بين جميع الكرات الملونة الأخرى.

وبعد مرور 3 أشهر من التدريب، جعل العلماء السلاحف تكرر نفس الاختبارات. قامت السلاحف بأداء المهمتين الأوليين دون تردد. وقد تمكنت 5 من كل 6 سلاحف من تعلم كيفية تمييز الألوان بشكل أسرع.

وذكر الباحثون أن "3 سلاحف سيشيلية تعلمت عض الرصاص قبل 9 سنوات، ومع ذلك تمكنت من تذكر المهمتين الأوليين، وهو ما يظهر أن لها ذاكرة قوية جدا تناسب عمرها الطويل".

وذكر الكاتب أن السلاحف التي تعلمت التدريبات ضمن مجموعات كانت قدرتها على التعلم أسرع من تلك التي تم تدريبها بشكل منفصل. وترى الدكتورة جوتنيك أن هذه "النتيجة كانت غير متوقعة حقا" لأن "السلاحف البرية العملاقة معروفة بأنها حيوانات غير اجتماعية". وقد استنتج فريق العلماء أن السلاحف العملاقة في البرية تتعلم معلومات مفيدة مثل مواقع مصادر الماء والطعام من خلال مراقبة متجانسات أخرى.

صغار السلاحف تعرف الوجوه
تعتبر السلاحف البرية مخلوقات وحيدة إلى حد ما، ولكن قد يكون لديها قدرات اجتماعية فطرية. ووفق ما توصلت إليه دراسة أجراها فريق إليزابيتا فيرساتشي، من قسم علم الأحياء وعلم النفس التجريبي في جامعة كوين ماري بلندن، فإن صغار السلاحف تميل إلى الاقتراب من الأشكال التي تشبه الوجوه.

وذكر الكاتب أن هذه الميزة لم تلاحظ إلا لدى الحيوانات الاجتماعية، مثل القرود والكتاكيت، ولم يكن ذلك متوقعا لدى السلاحف. وقد اختبرت الدكتورة فيرساتشي وزملاؤها ردود فعل 5 أنواع مختلفة من السلاحف البرية، حيث قاموا بعرض أشكال مختلفة على صغار السلاحف، ولاحظوا أنها كانت تتحرك نحو الأشكال الأكثر شبها بالوجوه.

لا يعتبر هذا الاكتشاف مهما لدراسة السلاحف فقط، وإنما أيضا لتاريخ تطور الثدييات بشكل عام والبشر بشكل خاص. وتقول فيرساتشي إنه بسبب حاجة كل تلك الأنواع لرعاية الوالدين، فقد كان يُعتقد أن هذا التكيف المبكر مهم في مساعدة الحيوانات الصغيرة على الاستجابة لآبائها أو التفاعل مع أعضاء آخرين من نفس النوع. وقد تبين أن هذا السلوك موجود أيضا لدى السلاحف حديثة الولادة.

الحياة الطويلة للسلاحف العملاقة
أكثر ما يميز السلاحف العملاقة هو طول عمرها. يمكن أن يتجاوز وزن سلحفاة غالاباغوس 130 كيلوغراما وهي تعيش لأكثر من 100 عام. وقد قام فريق بقيادة سكوت جلابرمان من قسم العلوم البيئية في جامعة جورج ماسون بالولايات المتحدة الأميركية باستكشاف جينوم هذه السلاحف الاستثنائية ومقارنتها بجينوم السلاحف الأخرى من أجل فهم سر حياتها الطويلة.

وقد اتضح أن تلك السلاحف لديها عدة نسخ من جينات معينة تحميها من الشيخوخة والسرطان، وتحسن عملية القضاء على الخلايا التالفة التي تسمى "موت الخلايا المبرمج". وعندما لا تقوم الخلية بدورها بشكل صحيح، يحاول جسم الكائن الحي القضاء عليها عن طريق إطلاق ما يشبه رمز التدمير الذاتي. وفي حال حدوث قصور في هذه العملية الطبيعية، يمكن أن تتكاثر الخلايا غير المرغوب فيها وتشكل أوراما وتسبب السرطان.

يتم تفعيل "عملية موت الخلايا المبرمج" لدى السلاحف العملاقة بسرعة أكبر، خاصة في حال تضرر البروتينات استجابة لأنواع معينة من الإجهاد. ويقول البروفيسور فينسينت لينش عالم الأحياء التطورية في جامعة بافالو بالولايات المتحدة، إن خلايا سلاحف غالاباغوس لها القدرة على قتل نفسها قبل أن يحوّلها الإجهاد إلى خلايا سرطانية.

وتعتبر هذه النتائج مثيرة للاهتمام لأنه من المفترض أن الحيوانات الكبيرة التي تعيش لفترة طويلة لديها معدلات سرطان أعلى من غيرها لأنها تمتلك العديد من الخلايا، وكلما زاد عدد خلايا الجسم، زادت فرص حدوث طفرات السرطان.

ويقول لينش إنهم إذا تمكنوا من تحديد كيفية حدوث هذه العملية لدى السلاحف فربما يمكنهم إيجاد طريقة لترجمة هذه الاكتشافات إلى شيء يفيد صحة الإنسان. ويضيف جلابرمان أنه قد يكون للسلاحف العملاقة في غالاباغوس الإجابة عن كيفية مواجهة العديد من التحديات البشرية، مثل الشيخوخة والسرطان. وانقراض هذه الكائنات يعني أن العالم سيفقد إلى الأبد عنصرا من علم الأحياء الفريد.

مهددة بالانقراض
ظهرت السلاحف في نفس الوقت تقريبا مع الديناصورات الأولى منذ أكثر من 200 مليون سنة. وقد انقرضت الديناصورات بعد سقوط نيزك بينما نجت السلاحف. ولكن معظم أنواع زواحف "التيستودين" (testudines) معرضة اليوم لخطر الانقراض.

وقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2018 في دورية "بيوساينس" (Bioscience) أن 61% من بين 356 نوعا معروفا من السلاحف في جميع أنحاء العالم سواء البحرية أو البرية مهددة بالانقراض.

ويشير العلماء إلى أن السلاحف تعد من بين أكثر الحيوانات المهددة بالانقراض في العالم بسبب استغلالها كغذاء أو تدمير موائلها الطبيعية هذا بالإضافة إلى تغير المناخ.

ونبّه الكاتب إلى أن اختفاء السلاحف سيشكل ضررا كارثيا على البيئة، نظرا للأدوار المتنوعة التي تلعبها في مختلف النظم البيئية. ويوضح العلماء أن العادات الغذائية المتنوعة للسلاحف تجعلها تؤثر على حياة الكائنات الأخرى، فالسلحفاة الصحراوية التي تعيش جنوب غرب الولايات المتحدة، مثلا، تحفر جحورا كبيرة تمثل ملاذا لأنواع أخرى من الحيوانات. كما أن السلاحف من بين الحيوانات التي تسهم في نشر بذور العديد من النباتات.

ووفق البروفيسور ويت جيبونز من جامعة جورجيا بالولايات المتحدة الأميركية، وهو عالم مشارك في هذه الدراسة، فإن الهدف هو التوعية بالأدوار البيئية الحاسمة للسلاحف على نطاق عالمي.

ومن جهته، يؤكد لوفيتش أن السلاحف تمثل عنصرا حاسما في العديد من البيئات، بما في ذلك الصحاري والأراضي الرطبة والنظم البيئية البحرية والمياه العذبة، وانقراضها أو إلحاق الضرر بها سيكون له آثار سلبية على الأنواع الأخرى، بما في ذلك البشر.
 
(الجزيرة)
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

 
إشترك