تنطلق، الخميس، النسخة الـ23 من كأس العالم لكرة القدم، في بطولة غير مسبوقة من حيث الحجم والتنظيم، مع مشاركة 48 منتخباً وخوض 104 مباريات في 3 دول مضيفة هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وسط أجواء لا تخلو من الجدل حول أسعار التذاكر، والتوترات الجيوسياسية، وقيود التأشيرات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويبدأ المونديال من ملعب أزتيكا التاريخي في مكسيكو سيتي، حيث يلتقي منتخب المكسيك صاحب الأرض مع جنوب أفريقيا في المباراة الافتتاحية، في عودة جديدة لهذا الملعب الشهير إلى واجهة كأس العالم بعدما احتضن مباريات في نسختي 1970 و1986.
ورغم أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو وصف البطولة بأنها "الأكبر والأكثر شمولاً والأعظم في تاريخ كأس العالم"، متوقعاً حضور 7 ملايين مشجع في الملاعب ومتابعة 6 مليارات شخص حول العالم، فإن الانطلاقة تأتي محاطة بتحديات غير مسبوقة.
فعلى المستوى التنظيمي، تواجه البطولة صعوبات لوجستية كبيرة نتيجة إقامتها في 3 دول، على أن تستضيف الولايات المتحدة العدد الأكبر من المباريات، في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعاً في الأسعار وتوتراً سياسياً وحرباً مستمرة في
إيران.
وفي المكسيك، ألقت التوترات الاجتماعية بظلها على الأجواء الاحتفالية، بعدما قطع محتجون الطريق إلى الساحة الرئيسية المخصصة لاحتفالات الجماهير عشية الافتتاح.
أما ملف التأشيرات، فكان من أبرز
القضايا المثيرة للجدل قبل انطلاق البطولة. إذ أثارت سياسات الهجرة الأميركية انتقادات واسعة، خصوصاً بعد استبعاد الحكم الصومالي عمر أرتان، الحائز جوائز، بعدما مُنع من دخول الولايات المتحدة.
ورغم الدعم الكبير الذي يبديه
ترامب لاستضافة كأس العالم في أميركا، وعلاقته الواضحة بإنفانتينو، فإن قرارات إدارته تركت أثراً سلبياً على صورة البطولة، خصوصاً في ما يتعلق بشعار الشمولية الذي ترفعه “فيفا”.
ولم تكن إيران بعيدة عن هذه التعقيدات. فالحرب الأميركية ـ
الإسرائيلية على إيران أثارت تساؤلات حول مشاركة المنتخب
الإيراني، الذي نقل معسكره من توسان في ولاية أريزونا إلى تيخوانا في المكسيك، وسط شكاوى من مشكلات في التأشيرات وسحب بعض التذاكر.
كما أثارت أسعار التذاكر غضباً كبيراً بين الجماهير. فحين طُرحت التذاكر للبيع العام في كانون الثاني، تراوحت أسعارها بين 140 و8680 دولاراً، قبل أن ترتفع بعض الأسعار لاحقاً بشكل حاد، وصولاً إلى 32970 دولاراً للمباراة النهائية. واعتبر مشجعون أن ما جرى يمثل "خيانة كبرى" للجماهير.
وفي السوق الثانوية، بدت الأسعار أكثر صدمة، إذ عرضت منصة إعادة البيع التابعة لـ“فيفا” في نيسان 4 تذاكر للنهائي بسعر يقترب من 2.3 مليون دولار للتذكرة الواحدة، مع حصول الاتحاد الدولي على عمولة 30% من كل عملية إعادة بيع. كما أثارت كلفة مواقف السيارات وارتفاع أسعار النقل استياءً إضافياً لدى المشجعين.
ودافع إنفانتينو عن سياسة التسعير، قائلاً إن الطلب يعادل “ألف سنة من كأس العالم دفعة واحدة”، مؤكداً أن جميع المباريات الـ104 ستشهد نفاد التذاكر.
لكن استطلاعاً حديثاً لـIPSOS أظهر أن 26% فقط من
الأميركيين قالوا إنهم متحمسون إلى حد ما للمونديال، فيما قال 7% فقط إنهم متحمسون جداً أو للغاية. كما جاءت حجوزات الفنادق في معظم المدن الأميركية المستضيفة أقل من المتوقع، وفق مسح أجرته جمعية الفنادق والإقامة الأميركية في نيسان.
وتطرح البطولة أيضاً تحدياً مناخياً، إذ إن توسيع حجم المسابقة وإقامتها في 3 دول سيزيد من الانبعاثات الناتجة عن التنقل والسفر. كما يُتوقع أن تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على اللاعبين والجماهير والعاملين، خصوصاً في مدن مثل دالاس وهيوستن، مع احتمال وصول الإحساس بالحرارة إلى أكثر من 32 درجة مئوية.
ولهذا السبب، ستُعتمد تدابير سلامة مثل فترات التوقف لشرب المياه، كما تراجعت "فيفا" عن حظر كان مقرراً على إدخال الجماهير عبوات المياه القابلة لإعادة التعبئة إلى الملاعب.
ورغم كل الجدل، تبقى كرة القدم في النهاية قادرة على خطف الأضواء. فالأنظار ستتجه إلى ليونيل ميسي، الذي قد يخوض آخر ظهور له في كأس العالم، وإلى كريستيانو رونالدو، الباحث عن اللقب الكبير الوحيد الذي غاب عن مسيرته، وهو في سن الـ41.
كما يسعى البرازيل، صاحب الرقم القياسي بـ5 ألقاب، إلى استعادة الكأس بعد أكثر من عقدين، بقيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، فيما تراهن إنكلترا على المدرب الألماني توماس توخيل لإنهاء انتظار دام 60 عاماً.
وتحمل المنتخبات المضيفة، الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، طموح الظهور بصورة قوية أمام جماهيرها. ويأمل المنتخب الأميركي، بقيادة المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، في تحقيق مفاجأة كبرى، وسط خطاب داخلي عنوانه: "لماذا لا نكون نحن؟".
وبين الأرقام القياسية والاحتجاجات والأسعار المرتفعة والحرارة والتأشيرات، يبدأ مونديال 2026 كأكبر نسخة في التاريخ، لكنه أيضاً كإحدى أكثر النسخ إثارة للجدل قبل أن تُلعب أول مباراة. (France24)