لا تحتاج مباراة
إسبانيا وبلجيكا، التي ستقام مساء اليوم في تمام الساعة 10 مساء بتوقيت
بيروت، إلى مقدمات كثيرة كي تبدو كبيرة. فالأسماء وحدها تكفي. لكن القضية الأهم داخل المواجهة ليست في تاريخ المنتخبين ولا في شكل القمة، بل في سؤال واحد: هل تنجح
بلجيكا في فعل ما عجز عنه أي فريق حتى الآن، أي تسجيل أوّل هدف في مرمى إسبانيا؟
يدخل المنتخب الإسباني ربع النهائي برقم نادر في بطولة بهذا الحجم: 5 مباريات من دون أن تهتز شباكه. هذه ليست صدفة دفاعية أو نتيجة تراجع إلى الخلف، بل نتيجة أسلوب واضح يقوم على الاستحواذ، الضغط المبكر، وتقليل عدد المرات التي يصل فيها الخصم إلى منطقة الجزاء.
إسبانيا لا تدافع بالطريقة التقليدية. لا تنتظر المنافس عند حدود المنطقة، بل تحاول منعه من بناء الهجمة أساساً. لذلك تبدو أرقامها لافتة، وتتلخص بمعدل استحواذ مرتفع، عدد قليل جداً من التسديدات على مرماها، وخصوم يجدون صعوبة في نقل
الكرة من الثلث الدفاعي إلى مناطق الخطر. حتى في مباراة
البرتغال، التي كانت أصعب اختبار لها، خرجت إسبانيا بانتصار 1-0 وبشباك نظيفة جديدة.
لكن بلجيكا ليست اختباراً عادياً. المنتخب البلجيكي يدخل المباراة بصورة مختلفة عن معظم خصوم إسبانيا السابقين، لأنه لا يحتاج دائماً إلى الاستحواذ كي يكون خطيراً. قوته تظهر في التحول السريع، وفي قدرته على ضرب المساحات خلف الأظهرة، خصوصاً إذا تقدمت إسبانيا بعدد كبير من اللاعبين إلى نصف ملعب المنافس.
هنا تبدأ المباراة الحقيقية. إسبانيا ستضغط، سترفع خطوطها، وستحاول حصر بلجيكا في الخلف. لكن كل كرة مفقودة في وسط الملعب قد تتحول إلى فرصة بلجيكية مباشرة. وهذا تحديداً ما يجعل المواجهة حساسة.
الأرقام تمنح بلجيكا سبباً للثقة. المنتخب سجل 13 هدفاً في البطولة، بينها 4 أهداف في مرمى
الولايات المتحدة في دور الـ16، و3 أهداف أمام السنغال في الدور السابق. أي أن بلجيكا ليست منتخباً ينتظر ركلة ثابتة أو خطأ عابر، بل فريق يملك حلولاً هجومية متعددة. وجود كيفن دي بروين بين الخطوط، وحركة تروسارد ولوكباكيو على الأطراف، مع خبرة لوكاكو، يمنح بلجيكا أكثر من طريقة لإزعاج الدفاع الإسباني.
في المقابل، تملك إسبانيا سلاحاً معاكساً ألا وهو إجبار الخصم على الدفاع لفترات طويلة. عندما يلمس
بيدري ورودري وداني أولمو الكرة باستمرار، يصبح الفريق الآخر مطالباً بالركض بلا توقف. ومع وجود لامين يامال على الجهة اليمنى وأليكس باينا أو نيكو ويليامز على الطرف الآخر، تصبح بلجيكا أمام اختبار بدني وذهني طويل: هل تستطيع الصمود من دون ارتكاب خطأ في التمركز؟
المفارقة أن مفتاح المباراة قد لا يكون في المهاجمين فقط، بل في وسط الملعب. رودري، الذي صنع جدار الحماية الأول أمام الدفاع الإسباني، سيواجه لحظات بالغة الصعوبة عند فقدان الكرة. أما بلجيكا، فستحتاج إلى تمريرة أولى دقيقة بعد افتكاك الكرة. إذا كانت تلك التمريرة بطيئة أو خاطئة، سيعود الضغط الإسباني فوراً. وإذا نجحت، قد تظهر المساحة التي تبحث عنها بلجيكا.
لهذا تبدو المباراة كأنها اختبار لهويتين. إسبانيا تريد إثبات أن السيطرة ما زالت أقوى من الفوضى، وأن الفريق الذي لا يستقبل أهدافاً يستطيع الذهاب بعيداً جداً. أما بلجيكا، فتدرك أن الطريق إلى نصف النهائي لا يمر عبر مجاراة إسبانيا في الاستحواذ، بل عبر ضربها في اللحظة الوحيدة التي تفقد فيها توازنها.
الهدف الأول سيكون حاسماً. إذا سجلت إسبانيا مبكراً، ستجبر بلجيكا على الخروج من تحفظها، وقد تتحول المباراة إلى مساحة مفتوحة أمام مهارات يامال وبيدري وأولمو. أما إذا سجلت بلجيكا أولاً، فستكون إسبانيا أمام وضع لم تختبره بعد في هذه البطولة: اللعب تحت ضغط التأخر، لا تحت راحة الشباك النظيفة.