بدأت الأرجنتين عملياً مرحلة ما بعد ليونيل ميسي، حتى لو لم يعلن قائدها اعتزاله الدولي حتى الآن. فالخسارة أمام
إسبانيا في نهائي
كأس العالم 2026 لم تنه جيلاً ناجحاً فقط، بل أظهرت المشكلة التي سيواجهها المنتخب عندما يغيب اللاعب الذي تولى صناعة اللعب والتسجيل وقيادة الفريق طوال السنوات الماضية.
أنهى ميسي البطولة مسجلاً 8 أهداف وصانعاً 4، وكان حاسماً في وصول الأرجنتين إلى النهائي. لكن عندما نجحت إسبانيا في عزله، لم تجد الأرجنتين حلاً هجومياً آخر. وأصبح المنتخب الأرجنتيني أول فريق لا يسدد أي كرة خلال الوقت الأصلي لنهائي كأس العالم، ولم يسجل محاولته الأولى إلا في الدقيقة 116.
هذه الأرقام تختصر المهمة المقبلة. الأرجنتين لا تحتاج إلى البحث عن "ميسي جديد"، لأن هذا الخيار غير واقعي، بل إلى توزيع الأدوار التي كان يؤديها على عدد من اللاعبين. صناعة الفرص يجب ألا تبقى مرتبطة بلاعب واحد، وكذلك تنفيذ الكرات الثابتة، قيادة الهجمات وتسجيل الأهداف الحاسمة.
يبدو خوليان ألفاريز المرشح الأول لقيادة الخط الهجومي. سيكون في الثلاثين من عمره خلال مونديال 2030، ويملك الخبرة والقدرة على الضغط والتحرك خلف الدفاع والتسجيل من مواقع مختلفة. لكنه ليس صانع ألعاب، ولذلك لا يمكنه وحده تعويض غياب ميسي. أما لاوتارو مارتينيز، الذي سيكون في الثانية والثلاثين عام 2030، فيبقى خياراً أساسياً داخل منطقة الجزاء، سواء لعب أساسياً أو إلى جانب ألفاريز.
المهمة الأصعب ستكون العثور على اللاعب
القادر على إدارة الهجوم بين خطي الوسط والدفاع. هنا يبرز نيكو باز، الذي ضمه ليونيل سكالوني إلى قائمة المونديال لكنه لم يحصل على دور كبير. اللاعب يملك القدرة على التحرك في مركز الرقم 10، والتمرير تحت الضغط والتسديد بقدمه اليسرى، لكنه يحتاج إلى مباريات كاملة مع المنتخب وليس إلى دقائق محدودة في المباريات المحسومة.
ويأتي تياغو ألمادا ضمن الخيارات نفسها، مع قدرته على اللعب في الوسط الهجومي وعلى الطرف. كما يستطيع خوليانو سيميوني منح المنتخب السرعة والضغط واللعب المباشر، لكنه يقدم خصائص مختلفة عن تلك التي يوفرها باز وألمادا.
وخارج قائمة المونديال، يبقى فرانكو ماستانتونو وأليخاندرو غارناتشو من الأسماء التي لا يمكن تجاهلها خلال
الدورة المقبلة. استبعاد اللاعبَين من بطولة 2026 لا يعني خروجهما من المشروع، لكن عودتهما ستتوقف على مستواهما مع أنديتهما وقدرتهما على تنفيذ الأدوار المطلوبة داخل المنتخب.
في الوسط، تبدو عملية الانتقال أقل تعقيداً. إنزو فرنانديز وأليكسيس ماك أليستر قادران على الاستمرار حتى مونديال 2030، إذ سيكون الأول في التاسعة والعشرين والثاني في الحادية والثلاثين. ويملك اللاعبان الخبرة في أعلى المستويات، لكنهما سيحتاجان إلى لاعب ارتكاز يمنح الوسط التوازن، خصوصاً مع تقدم رودريغو دي بول ولياندرو باريديس وجيوفاني لو سيلسو في السن.
سيبلغ دي بول وباريديس السادسة والثلاثين خلال كأس العالم المقبلة، فيما سيكون لو سيلسو في الرابعة والثلاثين. لذلك لا يمكن تأجيل تجديد الوسط إلى العام الأخير قبل البطولة. إزيكييل بالاسيوس يستطيع أداء دور انتقالي، فيما يمثل ميلتون ديلغادو، الذي برز مع منتخب تحت 20 عاماً، أحد الخيارات التي تستحق المتابعة والتجربة تدريجياً.
لكن الدفاع يبدو الخط الأكثر حاجة إلى التغيير. دخل نيكولاس أوتامندي مونديال 2026 في سن الثامنة والثلاثين، فيما بلغ نيكولاس تاغليافيكو الثالثة والثلاثين. وفي المقابل، يملك المنتخب أسماء مثل ليوناردو باليردي وفاكوندو ميدينا، إلا أن وجودهما في القائمة لا يكفي. المطلوب منحهما دوراً ثابتاً لمعرفة قدرتهما على الانتقال من البدلاء إلى التشكيلة الأساسية.
كريستيان روميرو وليساندرو مارتينيز وناهويل مولينا سيكونون في الثانية والثلاثين عام 2030، ما يسمح باستمرارهم، لكن الأرجنتين تحتاج إلى إعداد بدائل أصغر سناً، وخصوصاً في مركزي الظهيرين. فالنتين باركو يمكنه تقديم حل في الجهة اليسرى، كما يبرز خوليو سولير، أحد عناصر منتخب الشباب الذي بلغ نهائي كأس العالم تحت 20 عاماً عام 2025. أما الجهة اليمنى فلا تزال تفتقر إلى وريث واضح لمولينا وغونزالو مونتييل.
وفي حراسة المرمى، يستطيع إيميليانو مارتينيز الاستمرار حتى البطولة المقبلة، عندما سيكون في السابعة والثلاثين، لكن ذلك لا يعفي الجهاز الفني من إعداد بديل. سانتينو باربي، الذي برز مع منتخب تحت 20 عاماً، يمكن أن يدخل تدريجياً إلى المجموعة إلى جانب الحراس الموجودين.
التغيير سيشمل القيادة أيضاً. ميسي لم يكن القائد الفني فقط، بل المرجع الأول داخل غرفة الملابس. في المرحلة القصيرة المقبلة، يستطيع مارتينيز ودي بول تولي أدوار قيادية أكبر، بينما يبدو روميرو مرشحاً لقيادة الدفاع، على أن يتحول ألفاريز إلى الواجهة الهجومية للمنتخب. لكن توزيع القيادة سيكون ضرورياً، لأن نقل كل المسؤوليات إلى لاعب واحد سيعيد المشكلة نفسها بصورة مختلفة.
قبل كل ذلك، تحتاج الأرجنتين إلى حسم هوية المدرب الذي سيقود عملية التجديد. سكالوني لم يؤكد استمراره بعد النهائي، وقال إنه سيتحدث مع
رئيس الاتحاد قبل اتخاذ قراره. كما أكد أن ميسي سيواصل اللعب إلى أن يقرر بنفسه التوقف.
وكان سكالوني قد احتفظ بـ17 لاعباً من قائمة مونديال 2022 ضمن قائمة 2026. هذا الاستقرار ساعد الأرجنتين على بلوغ نهائي جديد، لكنه يعني أيضاً أن عدداً كبيراً من المراكز يحتاج الآن إلى منافسة حقيقية.
الأرجنتين لا تبدأ من الصفر. لديها ألفاريز ولاوتارو في الهجوم، وإنزو وماك أليستر في الوسط، وروميرو وليساندرو في الدفاع. كما تملك مجموعة من اللاعبين الشباب داخل المنتخب وخارجه. المطلوب هو بدء التغيير من المباريات المقبلة، لأن انتظار عام 2029 لإعادة بناء الفريق سيجعل الانتقال أكثر صعوبة.