لم يشأ الشابان اللبنانيان جاد قمير وأنطوان اسكندر أن يكون التحدي الذي قررا خوضه ضيّق الآفاق أو غير مُكتمل المعنى. مع أنّ ذاك التحدي ليس من النوع السهل أو العاديّ، فالاثنان ينقلان لبنان للمرّة الأولى إلى أحد أكثر سباقات الرالي شهرة ووعورة في العالم...وهذا بحدّ ذاته حدثٌ فيه من التحدي والعزم والمغامرة ما يكفي لرفع القبعات تحية! لكن لا...لم يقبل الهاويان بهذا القدر، بل قررا تحويل الحدث الرياضي حدثاً إنسانياً بامتياز، علّهما يساعدان إنسان على اجتياز الطرقات الصعبة والوعرة والمظلمة...بل ربما يتعلمان من ذاك الإنسان كيفية تخطّي المطبات والعوائق!
في كانون الثاني المقبل، سيتوّجه قمير واسكندر إلى أميركا اللاتينية للمشاركة في رالي داكار في نسخته الأربعين، وهو السباق الوحيد في العالم الذي يقام على أشد الطرق وعورة. الشابان غير مُحترفين، لكنّ مثل هذه السباقات تستهويهما كثيراً، فكان أن قررا خوض تحد شخصيّ عبر المشاركة بهذا السباق الذي يجمع أكثر السائقين احترافاً وخبرة إلى جانب الهواة والمغامرين. سرعان ما قررا إكساب هذه المغامرة طابعاً إنسانياً، فيُصبح لها معنى جوهرياً سامياً، وذلك عبر دعم جمعية خيرية لبنانية.
يروي جاد قمير في حديث لـ "لبنان24" أنّ أحد أصدقائه، وهو عضو في "أنت أخي - فرنسا" اقترح عليه دعم هذه الجمعية التي تعنى بتأمين حياة كريمة ل 67 شاب وشابة مصابين بإعاقات جسديّة، تراجعيّة، فكريّة أو متعدّدي الإعاقة، يتم استقبالهم بشكل دائم أو جزئي، في "بيت الحنيّة" في بلّونة.
حضر الشابان إلى "المنزل" وجالا عليه وتعرّفا على أفراده. لم يستغرق اتخاذ القرار سوى دقائق معدودة. "سندعم "أنت أخي" عبر حملة تبرعات مادية ونسلّط الضوء على العمل الرائع الذي تقوم به من أجل الإنسان"، جزما.
هكذا انطلقت الشراكة بينهما وبين مؤسسة "أنت أخي"،واُطلقت حملة #BeTheDrive الخيرية التي يدعو قمير واسكندر إلى دعمها على أوسع نطاق، علماً أنهما يشرفان شخصياً عليها ويجهدان في تسليط الضوء عليها وتسويقها، لا سيّما وأنّه لم يتبق لموعد السباق في كانون الثاني سوى شهراً تقريباً.
في حديث لـ "لبنان 24"، تثني رئيس جمعية "أنت أخي" السيدة رولا رعد نجم على هذه المبادرة التي ارتأى الشابان إطلاقها من أجل دعم "المنزل" الذي يحضن بمحبة وأمل أشخاصاً يناضلون ويتحدون "إعاقاتهم" بشكل يوميّ ودائم.
وإذ تلفت إلى أنّ قمير واسكندر يسعيان إلى رفع اسم لبنان في النطاق الرياضي العالمي، فإنهما أيضاً يرفعان قضية الإنسان إلى الأعالي والقمم، آملة أن تتعمم مبادرتهما كي تظلّ "أنت أخي" "واقفة على رجليها"، سيّما وأن 96% من تمويلها مصدره التبرعات المالية والعينية والأنشطة التي تقوم بها في لبنان أو من خلال مجموعة الدعم "أنت أخي - فرنسا" المرخصة من قبل الدولة الفرنسية، فيما يتبرّع أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة بـ 2% من مجموع التكاليف، وتقدّم وزارة الشؤون الاجتماعية تمويلاً نسبته 2% من مجموع ما تحتاجه الجمعية.
وتأتي الحملة الخيرية كهدية في عيد الجمعية الخامس والعشرين. تقول نجم:" تأسست "أنت أخي" في العام 1992 كجمعية تعنى بالاهتمام بالأشخاص البالغين الذين يعايشون إعاقات جسدية وعقلية شديدة وأمراض تراجعية. رسالتنا أن نكون، "نحن المعافون"، إلى جانب هؤلاء ودعمهم والاعتناء بهم، والأهمّ، تغيير النظرة تجاهم. فالجميع دائماً ما يسأل: ماذا يُنتج هؤلاء الأشخاص؟ ماذا يُفبركون؟ ونحن نجيب قائلين: إنهم ينتجون الفرح...وما أعظمهم! يفبركون المحبة ويقدمون دروساً للجميع حول كيفية تخطي الصعوبات برجاء وفرح ومحبة، وهذا تحديداً ما تأثر به جاد وأنطوان لدى زيارتنا. في منزلنا، لكل شخص مهما كانت درجة "إعاقته" دورٌ يلعبه ورسالة يؤديها".
وتتخذ حملة #BeTheDrive أوجه عدة فقد أطلقت سلسلة مبادرات على مختلف المستويات لجمع التبرعات أبرزها إنشاء موقع إلكتروني لمناشدة اللبنانيين والمغتربين لتقديم التبرعات إلى جمعية "أنت أخي" لدعم مسيرتها الإنسانية، وأخرى على مواقع التواصل الإجتماعي إضافة إلى التعاون مع المدارس، المطاعم، السينما بهدف إيصال الرسالة إلى أكبر عدد من الناس وحثهم على التبرع ودعم الجمعية.
ويشرح انطوان اسكندر لـ "لبنان 24" الجانب الماليّ منها، لافتاً إلى شقيّن، الأول يتعلّق بالشركات الراغبة في تقديم الرعاية والتي من خلالها ستكون في الواجهة مروّجة لنفسها إعلامياً خلال السباق العالمي، وأمامها رزمة خاصة بها تتراوح بين 5 آلاف و 50 ألف دولار أميركي (يمكن للشركات المهتمة بالـ sponsorship التواصل معهما عبر البريد الإلكتروني contact@dakarlebanon.com). أما الشقّ الثاني فيستهدف الأفراد في لبنان والخارج لتقديم التبرعات بطرق عديدة ( يمكن التبرع أونلاين على الموقعwww.dakarlebanon.com أو الإتصال بمؤسسة "أنت أخي" على الرقم +961 9 230 650/1/2 ، أو في صناديق مخصصة للتبرع فيموجودة في كل فروع Grand Cinemas).
يذكر أن قمير واسكندر يتكفلان بتكاليف السباق كافة، كما بالحملة الخيرية المقامة راهناً، وكلّ التبرعات وحزم الرعاية سيعود ريعها بالكامل إلى جمعية "أنت أخي".
ويدعو اسكندر الجميع إلى التماثل بمبادرتهما الإنسانيّة، كلّ في نطاق عمله أو هوايته :"نحن نجذب شركات السيارات ومحبي السباقات من خلالنا إلى الجمعية والعمل الإنسانيّ، وكلّ واحد بمقدوره جذب متابعينه أيضاً للعمل على قضايا إنسانيّة".
يقول قمير أنّ رالي داكار يضع السائق في مواجهة مع أشرس المحطات بحيث يعاني طوال أسبوعين من طرقات وعرة تتخللها وديان وجبال ورمال...، علماً أن مسافته(بين ثلاث دول) تبلغ ربع مساحة الأرض. يأمل الشابان أن ينهيا هذه المغامرة ضمن فئة الهواة. يسعيان أيضاً إلى نشر الثقافة اللبنانية وتقديم صورة حلوة عن لبنان. يهدفان أيضاً وأيضاً إلى رفع مستوى الوعي حول الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة كي يتذكر كلّ فرد منا بأنهم رائعون بميزاتهم الفريدة. الأكيد أنهما سينجحان. بل المؤكد أنّ 67 شخصاً يسكنون في منزل دافئ في بلونة، هم من سيدفعون سيارة قمير واسكندر إلى الأمام. وهو من سيعلوننا جميعاً، معنى التحدي ومعنى الانتصار.