أثار اكتشاف أثري حديث في جبل طارق اهتمام علماء الآثار، بعد الكشف عن كهف ظل مغلقًا لما يقارب 40 ألف عام، في ما وصفه الباحثون بأنه قد يعيد رسم فهم التاريخ البشري.
ويعتبر جبل طارق موقعًا محوريًا لدراسة الإنسان القديم، إذ شهد عام 1848 اكتشاف أول جمجمة لإنسان نياندرتال على الإطلاق. وعلى مدى عقود، اعتقد العلماء أن هذا النوع البشري انقرض من المنطقة قبل نحو 42 ألف عام، لكن الدراسات الحديثة في كهف غورام دفعت إلى إعادة النظر في هذه الفرضية.
أهمية تاريخية استثنائية
تشير النتائج الجديدة إلى احتمال بقاء مجموعات من إنسان نياندرتال في جبل طارق حتى قبل نحو 24 ألف عام، وهو ما وصفه العلماء بأنه تطور "حديث نسبيًا" قد يغير فهم مسار التاريخ البشري.
ونقل موقع IFLScience عن الباحثين قولهم إن الاعتقاد بانقراض نياندرتال قبل 40 ألف عام قد لا يكون دقيقًا، مشيرين إلى أن الأدلة المكتشفة في جبل طارق تكشف عن استمرار بعض مجموعاته لفترة أطول بكثير.
وأدرجت اليونسكو كهف غورام ضمن قائمة مواقع التراث العالمي عام 2016، نظرًا لأهميته التاريخية الاستثنائية. وكان الكهف قد اكتُشف لأول مرة عام 1907، وأُعيد اكتشافه عام 1940، لتبدأ أعمال التنقيب الأثري بعد ذلك بأربعة عقود.
ويقع كهف غورام ضمن مجموعة من أربعة كهوف على منحدرات الحجر الجيري الشرقية لجبل طارق، إلى جانب كهوف فانغارد والضبع وبينيت، حيث يُعتقد أن إنسان نياندرتال استوطن المنطقة لنحو 100 ألف عام. وتقدم هذه الكهوف، وفق اليونسكو، شهادة نادرة على الحياة الثقافية للنياندرتال، تشمل صيد الطيور والكائنات البحرية، واستخدام الريش للزينة، بالإضافة إلى نقوش صخرية تجريدية.
وأدت الحفريات في هذه الكهوف إلى إثراء النقاش العلمي حول تطور إنسان نياندرتال وعلاقته بالإنسان الحديث، إذ كشفت عن بقايا فحم وعظام، وأدوات حجرية، وبذور متفحمة.
اكتشاف الفن القديم وحجرة جديدة
وفي عام 2012، عثر علماء الآثار في كهف غورام على ما يُعتبر أقدم عمل فني تجريدي في العالم، عبارة عن خطوط متقاطعة محفورة في رف صخري يعود تاريخه إلى أكثر من 39 ألف عام، ويقع على عمق نحو 100 متر داخل الكهف.
كما أعلن باحثون عام 2021 عن اكتشاف حجرة جديدة في كهف فانغارد المجاور، تحتوي على عظام حيوانات مفترسة ومحار حلزوني كبير. وأوضح مدير متحف جبل طارق الوطني، كلايف فينلايسون، أن وجود المحار بعيدًا عن الشاطئ يشير إلى نشاط بشري يعود لأكثر من 40 ألف عام، وربما يعود إلى إنسان نياندرتال.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن جبل طارق ربما كان أحد آخر معاقل إنسان نياندرتال في العالم، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لتاريخ انقراضه وتفاعله مع الإنسان الحديث.