هناك الكثير من الأمور السوبّر سخيفة التي نصادفها في حياتنا اليومية والتي يمكن أن تدلّ إلى غبائنا أو قلّة انتباهنا أو استخفافنا بجدّية بعض الأمور وجوهرها، مِثل وضعِ فانيلّا زهرية في غسلة أبيض، أو تحلية ركوة قهوة تركية بملعقتَي مِلح، أو ارتداء زوج كلسات أبيض على بدلة سودا، أو إنتاج برنامج مقالب زائف يستضيف ممثّلين ونجوماً يمثّلون علينا ويعرفون أنّنا نعرف أنّهم يمثّلون، مِثل برنامج "رامز بيلعَب بالنار".
مِن المؤكّد أنّ الشخص الذي اخترع برامج المقالب أراد من وراء فكرته إشراكَ الناس العاديّين في اللعبة التلفزيونية التي يحلمون بالظهور على شاشتها، على حساب إحراجهم ووضعِهم في مواقف طريفة.
وهذه المعادلة الإعلامية التجارية الذكيّة كانت مبنيةً منذ نشأتها على البساطة في الأفكار والإبداع في التنفيذ من أجل إضحاكِ الناس بالناس، وجعلِ المشاهد يتماهى مع الشاشة ويطوّر أحساساً بالانتماء إلى اللعبة الإعلامية الباهرة.
هذا كان من زمان، وتحديداً عندما كان المشاهد زبوناً محترَماً يجتهد الجالسون خلفَ الكاميرات وأمامها لإسعاده وإرضائه وتدليعِه، أمّا اليوم فلم يعُد المشاهد أكثرَ مِن سِلعة يتمّ استغلالها لصناعة الترفيه بأرخص الأسعار والأفكار.
في برنامج رامز جلال "رامز بيلعَب بالنار"، تلقي نارُ برنامجه بعضَ الضوء على أطراف الحلقات لتفضحَ استراتيجية خلقِ الترفيه استهبالاً واسترخاصاً وتمادياً في فبركةِ المَشاهد لاستعطاء الابتسامة أو الضحكة أو التفاعل من المشاهد.
يريد رامز جلال إقناعَنا بحِرفيته في صناعة المقلب وإغواءِ الضيوف النجوم للإيقاع بهم بذكائه وحنكته وقدرةِ فريق إنتاجه على ابتداع المقلب العصري، ويتناسى ومَن معه أنّ أسنانَنا تكلّخَت أمام الشاشات، ولم يعُد من السهل تمرير الصفقات الترفيهية من تحت أرجلِ كنباتنا.
يا حبيبي أنت تملك كامل الحرّية لصناعة نوعية الترفيه التي تريدها، والاتّفاق مع مَن تريد مِن النجوم، لكن لا أحد يَمنحك الحقّ في استهبال المُشاهد وكأنّه مزهرية رايتينغ موضوعة على طاولة أمام رقم محطّتك.
وبَعدِين، مِن أيّ زريبة تْخَرَّج رامز ومَن وضَع "الجْلال" على ظهرِه وأمرَه أن يسرَح على الشاشات ليصفَ ضيفتَيه البدينتين ويزو وشيماء سيف في أحد الحلقات بقطيع البقر الذي سيَخرج من الغرفة، ومِن أيّ كلّية ثيران اكتسَب ثقافتَه المنمَّقة ليحوّل الكوميديا إلى احتقار وتسَلّط وعنصرية وقلّة أدب. وما هذه الكوميديا التي تزرَع الطبَقية الاجتماعية والثقافية في أذهان المشاهدين، وتُروّج لفكرة أنّ البدناء منبوذون وغرباء.
تخطّى رامز جلال حدودَ الأدب العام، ويِسمَحلنا هذه المرّة، لأنّ كثيرين سَكتوا عن نوعية مقالِبه المصطنعة والمبنية حصراً على الوجوه التي تتمّ استضافتها، وهي لا تختلف كثيراً عن برامج توزيع الجوائز المدفوعة سَلفاً، والبرامج الحوارية المركَّبة مسبَقاً. فهل يتجرّأ على تنفيذ نفسِ المقالب بأناس عاديّين، إي والله كان سيُحكَم عليه بـ 173 سَنة في السجن من كثرةِ القضايا المرفوعة ضدّه.
غريب كيف أنّ جميع الضيوف في برنامجه الجديد يتصرّفون بنفس الطريقة عند بداية المقلب، ويقعون بنفس الطريقة أمام باب الغرفة، ومن ثمّ يتّجهون مِن دون طرح أيّ سؤال إلى قمّة الفندق، في حين أنّ قوانين الطوارئ تفرض على الناس النزولَ إلى أسفل، وكيف يتعاونون جميعُهم ويتعرّضون لنفس العوامل والمفاجآت والهفوات إلى حين يكشف جلال عن وجهِه على السطح ومِن ثمّ ينتهي المقلب برَكلةٍ أو كفّ أو شتيمة أو وعيد، أند ذاتس إت.
إستضافة رامز جلال نجوماً عرباً وعالميين مِثل أنطونيو بانديراس وستيفن سيغال، لا تضيف مصداقيةً إلى برنامجه، بل تؤكّد مدى هشاشة هذه الكوميديا وسخافتِها وتماديها في سرقة اهتمام المشاهد بالغشّ والخداع التلفزيوني المركّب.
(جوزف طوق - الجمهورية)