كنا نخجل من تذكير الماما بقرب عيد ميلادنا، فنظلّ لأيام قبل الموعد المنتظر، غارقين في دوّامة قلق وتساؤلات: "معقول تنسى عيدي؟". دائماً ما كانت شكوكنا في غير محلها، ولذلك يتفاقم حجم المفاجأة في يوم العيد.
منذ الصباح، نبدأ بالتنقل بين غرف المنزل مثل تحرّ يبحث عن بصمات، فتطلب منا الوالدة أن نلعب خارجاً. ننصاع للأوامر لكننا نشغّل "راداراتنا" بغية التقاط أي اشارة أو رصد أي رائحة. يصل الوالد آتياً من الدكان.
في يده أكياس ومن ضمنها كيس طحين. تتسارع دقات القلب وتُرسم على الوجه بسمة خجولة. تمرّ الساعات ثقيلة قبل أن يُطلب منا تبديل الملابس بذريعة مرافقة الأهل في زيارة عائلية. نفعل ذلك بحماسة، لنتفاجأ بأحد الوالدين يؤنبنا على التأخر في تمشيط الشعر، ويكون القصاص طبعاً "زربة بالأوضة". يُفجعنا هذا العقاب غير المبرر والظالم، وحينما نهمّ بذرف الدموع، نسمع من ينادينا بالحضور فوراً الى "الدار". Surprise! طاولة يتوّسطها قالب حلوى مزيّن بالفريز، جيلو، نمّورة، عيش السرايا، كريات جوز الهند، فواكه، عصير أناناس وعصير ليمون، وصحون بلاستيكية. أفراد العائلة موجودون، صغاراً وكباراً، وابن أو بنت الجيران. يغني الجميع happy birthday، نطفئ الشموع بصعوبة، نقطع "الغاتو" بسكين مقلوبة، ونتلقى القبلات والمعايدات وعلب الهدايا، وغالبيتها كناية عن "بيجاما" او ساعة يد أو زجاجة عطر.
هكذا كان معظمنا يحتفل بعيد ميلاده، مرة في السنة. بعضنا كان بنفسه يدهن قالب الحلوى التي تعدّه الوالدة بالشوكولا والكريمة. وبعضنا كان يتجرأ على دعوة زميل في المدرسة للمشاركة في هذا الاحتفال العائلي. بعضنا كان محظوظاً بوجود "بوفيه" تضمّ الى الأطايب، معجنات وورق عنب. هذا كان في السابق..."على ايامنا"! أما اليوم، فما عادت احتفالات أعياد ميلاد الأطفال تحمل تلك البساطة والبراءة... والمفاجآت.
لم يعد خافياً انسياق اللبناني خلف أي ظاهرة مستجدّة، حتى لو تطلب الأمر منه الاستدانة أو تخصيص كلّ ما في الجيب لتحقيق ذلك. باتت الأعراس على سبيل المثال، بذخاً مفرطاً يحتّمه التنافس وحبّ التقليد والتشاوف. ما عاد العروسان يقبلان بعرس على قاعدة "قد بساطك مدّ رجليك"، اذ صار لزوماً عليهما احضار الزفّة او فرقة استعراض راقصة، "ونش" أو طائرة خاصة لتهبط منها العروس..هذا اذا ما لم تُجر مراسم العرس في "سانتوريني" أو إحدى القرى الإيطالية أو الاسبانية!
ولم تعد ظاهرة البذخ وابتكار الافكار الغريبة العجيبة تقتصر على المناسبات الخاصة بالكبار، بل انسحبت أيضاً على احتفالات الأطفال، وتحديداً في أعياد مولدهم. التهافت على إحياء الأعياد في المراكز الترفيهية الخاصة بالأطفال والمنتجعات خلق سوق عرض وطلب، فكلما استجاب الأهل وتفاعلوا مع فكرة جديدة كلما عمدت هذه المؤسسات الى رفع اسعارها و"التفنن" في توسيع مروحة الخيارات... والشروط!
وإحياء عيد مولد الطفل في مركز ترفيهي بات يتطلّب شهوراً من التخطيط المسبق، تحديداً لناحية توفير مبلغ من الراتب في "قجّة البيرثداي". ومن يعتقد انه بامكانه تقليص التكاليف عبر تخفيض عدد الأصدقاء المدعوين، فهو حتماً مخطئ! معظم المؤسسات المنظمة لهذه المناسبات تشترط حضور عدد معيّن من الأطفال ، يعني "مينيموم 15 ولد، وع الولد 30 دولار وما فوق". السعر طبعاً يتحرّك ويتغيّر بحسب الـ Package التي يختارها الأهل والمحتفى به (ها)، وربما بحسب الوجه الكارتوني، بطل "الكلّ بالكلّ"! سيحظى الطفل (ة) والاصدقاء بممارسة ألعاب "النطّ" والدحرجة على الرؤوس والغميضة والقفز في أكياس الخيش. ستتلوّن الوجوه، وترقص الأجساد، ويتناول الجميع "الهوت دوغ" و"الناغيتز" و"البرغر" و"الجيلو" و"الكرواسان". أما "الكاتو" فبات من الصعوبة في أغلب الأحيان شراؤه من "باتيسري" الحيّ بسعر مقبول، إذ بدأت معظم مراكز الترفيه تشترط شراء قالب الحلوى من مطبخها، وطبعاً سيكون حجمه وسعره يليق بالمناسبة السعيدة.
ولأننا في عصر "السوشيل ميديا"، وقد بات الجميع خبراء في كشف الصور المعدلّة والمفلترة، صار لزوماً إحضار مصوّر فوتوغرافي محترف ليوّثق اللحظات السعيدة "الغالية" على قلوب الأهل، فتُنشر لحظة بلحظة على الصفحات الافتراضية، والهدف حصد "اللايكات" والتعليقات.
"تفنن" وفنون، وتنتهي الحكاية في معظم الأحيان... بالديون. الظاهرة تتفشى وما عاد الأطفال يرتضون بعيد في حديقة المنزل أو في "صالونه" المزيّن بالبالونات. كيف يمكن الأهل اقناع صغيرهم بأن عيد ميلاد زميله في المدرسة الباذخ ليس القاعدة وأنه ليس بمقدورهم التماثل به لأسباب خاصة؟!