"قف، إصغ، إحفظ، إشهد، والخطأ إما أنّك لا تقف أو إذا وقفت فلا تصغي أو إذا وقفت وأصغيت فلا تحفظ أو إذا وقفت وأصغيت وحفظت فلا تشهد". القول لرجل غنيّ عن التعريف يُدعى شارل مالك. من المفارقات أن العالم يحتفل اليوم (العاشر من كانون الثاني) باليوم العالمي لحقوق الانسان بعنوان "قم اليوم ودافع عن حق إنسان" الذي اتخذته حملة الأمم المتحدة لعام 2016.
لعلّ هذا الترابط بين العنوان والمقولة يجعلنا، كلبنانيين، أول "المستهدفين" والمعنيين والمسؤولين عن ترجمة الكلام إلى أفعال.
شارك السياسي والديبلوماسي والمفكر شارل مالك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعداده بصفته رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. استطاع ان يطبع بصماته على الوثيقة، فضلاً عن تفرده بوضع المقدمة. وكان واضحاً إصراره على المواد: 18 التي تنص على حرية التفكير والضمير والدين، و 20 التي تنص على حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية وعدم إكراه أي إنسان على الانضمام إلى جمعية ما، و26 التي تنص على حق الإنسان في التعليم.انحاز مالك للإنسان. لشخص هذا الكائن الحيّ الذي قدّس حريته وعقله وكرامته. ولا عجب في أن تنصّ المادة الأولى من "الإعلان" على التالي: "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً ، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الاخاء".
نعود إلى دور لبنان وشعبه و"أشخاصه" في تجديد الالتزام بالحقوق الانسانية وفي تغيير الواقع نحو الأفضل. ولكن في ظلّ حاضر "استثنائي"، حيث بات الشواذ قاعدة، وصار الفرد رقماً، إن في مقرّ عمله أو في "برادات الموتى"، وحيث العولمة بوجهيها الشرس والجميل، وحيث تتحارب دولٌ دون هوادة ومن دون "أصول"...يصبح السؤال: هل من فرصة سانحة لاحترام حقوق الانسان وتطبيقها أو تقديسها؟!
نعايش في لبنان فساداً على أعلى المستويات. الدستور والقوانين تُطعن بالخناجر يومياً. حفلة جنون متواصلة، فضرب الهذيان. النسبية انسحبت على المقدسات، ومنها الحقوق. كيف يمكن أن يكون حق إنسانيّ موضع نقاش وجدل؟! الأخطر أن من بين المسلّمات، صار التسليم بالأمر الواقع دون أي شعور بالحاجة إلى الصراخ ومحاولة رفع الغبن.
يكتب أحدهم تعليقاً على "فيسبوك"، فيحلّ الضياع. ما هي معايير حرية التعبير وإبداء الرأي؟ وأين حق الانسان في الانتماء إلى وطن، أو الانتماء إلى بلد آخر إذا رغب في ذلك؟!
تجاهر فتيات برفضهنّ اقامة علاقة مع سوريّ. يحترق لاجئون في الخيم، ويُضرب أطفال على الطريق بسبب "اللهجة". ونسأل عن المساوة بين البشر؟
تُحرم عاملات من ساعات النوم. تُسرق أوراقهنّ الثبوتية وتُضربن حتى فقدان الوعي.
يُعثر على رضع في الحاويات. تُلفظ الأنفاس الأخيرة على باب مستشفى. يُزجّ أفرادٌ في السجون بسبب تظاهرة، وآخرون لم يعرفوا نور الشمس منذ أن غاب وجه الحق. يُسلب شعب بأكمله من حق إدارة شؤون بلاده، ويُتهم بالجهل. يتابع هذا الشعب عنوة تفاصيل قطع الرؤوس ونحر الرقاب.
كل فجر، تقام جنازة للحرية، ويستمرّ تقبل التعازي حتى مغيب الشمس.. وهنا بيت القصيد.
"قم" أو "قف"، لا يهمّ. كلاهما يقودان إلى نتيجة واحدة مرجوّة. هذا هو المطلوب اليوم من كل شخص، من كل إنسان. "الحر يخلق في كل لحظة... يخلق نفسه حراً"، يقول شارل مالك. وحدها هذه الحرية حين تضحى "أوكسيجيناً" توقف كلّ منا على رجليه، وتدفعه إلى الأمام... هناك حيث الدفاع عن حق إنسان "آخر"...أو بالأحرى عن حق الإنسان!