يُعير المختصون بالفن والهندسة والعمارة لأعمال الفنان الإيطالي الشهير، مايكل أنجلو، اهتماماً بالغاً؛ إذ تعتبر أعماله قريبة من الإعجاز لدقتها وجمالها وتعابيرها وإيحاءاتها، لكن من يقف أمام إنجازات المعمار سنان، وما تركه من إرث فني ومعماري وهندسي ضخم، سيعتقد أنه لم يعرف العالم له مثيلاً سابقاً.
فتركيا، التي تعد من أهم المواقع على خريطة السياحة العالمية، تُعتبر أعمال المبدع المعمار سنان المنتشرة فيها أهم أسرار الجذب السياحي إليها، وتتسبب بدخول عائدات ضخمة إلى خزينة البلاد.
وتنتشر أعمال المعمار سنان على امتداد خريطة الدولة العثمانية، التي كانت تتربع على بقاع من آسيا وأفريقيا وأوروبا.
- من هو المعمار سنان
هو سنان الدين يوسف بن عبد المنان، ولد في 28 ايار 1489، بمدينة قيصري التركية، بين أحضان عائلة أرمنية أرثوذكسية، وبعد بلوغه سن الرُّشد أرسلته عائلته عام 1511، في عهد السلطان يافوز سليم، إلى إسطنبول دوشيرمي، حيث ترعرع بين أحضان القصر، وتلقى العلوم الدينية والدنيوية فيه.
يُقصد بالدوشيرمي، حسب المصادر والوثائق التاريخية، تحويل الأطفال المسيحيين أو أبناء الطوائف الدينية الأخرى إلى مسلمين، وتلقينهم العلوم الدينية المتعمّقة والدنيوية المتطوّرة، لتخريج جيل متعلّم ومبدع مخلص للسلطان وخادم له.
خدم سنان في جيش الإنكشارية، وشارك في معركتي الريدانية ومرج دابق، وشارك في معركة فتح بلغراد بقيادة السلطان سليمان القانوني، وبسبب مهارته القتالية الإبداعية عُيّن قائداً لوحدة قتالية.
وانضم سنان إلى الفتوحات التي قادها السلطان سليمان القانوني عام 1533 باتجاه إيران، وعند وصول الجيوش إلى بحيرة فان تعسر تقدّمه لصعوبة مروره من خلال هذه البحيرة الضخمة، فصنع سنان 3 جسور متينة، تمكّن الجيش من خلالها دخول البحيرة بأمان وسلامة، ما زاد من اعتبار سنان لدى السلطان سليمان القانوني، وعلى هذا الأساس قلّده السلطان رتبة الشرف السلطانية.
في فتوحات البلقان عام 1538، احتاج الجيش إلى جسر متين لعبور نهر البرود، وحاول الكثير من الضباط تأسيس الجسر لكنهم لم يفلحوا، فأمر السلطان سليمان القانوني المعمار سنان بتولي المهمة وإتمامها بنجاح في أسرع وقت ممكن.
فأنشأ سنان جسراً متيناً وجميلاً في عشرة أيام، واستطاع الجيش عبور النهر بكل أمان، وما زال الجسر إلى الآن موجوداً بمتانته وجماله.
عندما أصبح في سن الـ 49 أمر السلطان سليمان القانوني، بعد رؤية قدرته الإبداعية في العمارة، بتنصيبه رئيساً للمعماريين العثمانيين، وبعد حصول سنان على هذا المنصب تفرّغ تماماً لإنشاء المباني المعمارية المتنوّعة؛ من مساجد ومدارس وكليات تعليمية وقصور، وتميزت جميع مبانيه المعمارية بالجمال والدقة والإبداع والبراعة، وعمل مدة 49 عاماً في مجال الإنشاء المعماري.
- الحب دفعه لصنع المعجزات
تقول روايات تاريخية إن المعمار سنان شُغف حباً بالأميرة مِهرِماه ابنة السلطان سليمان، منذ رؤيتها للمرة الأولى عند مرافقتها لوالدها في "حملة مولدوفا" في أوروبا، ولينال إعجابها بنى لها جسراً في 13 يوماً فقط، ثم طلب يدها للزواج، لكنه قوبل بالرفض، ليفرغ مكنونات قلبه الكسير في العمارة.
و"مِهرِماه" هو اسم فارسي، فَـ "مِهر" هي الشمس و"ماه" هو القمر باللغة الفارسية، ما يعني أن اسمها يجمع الشمس والقمر، و"مهرماه سلطان" هي الابنة الوحيدة للسلطان سليمان القانوني من السلطانة "هُرِّمْ"، المعروفة بجمالها وحسنها.
- خسر الأميرة فغلبها شهرة
نافس المعمار سنان على حب الأميرة مهرماه، أحمد باشا، حاكم ديار بكر، فتزوجت الأميرة في النهاية من أحمد باشا، وطلبت من المعمار سنان أن يبني لها مسجداً.
هنا فتّق الحب المكنون في دواخل سنان الإبداع، فبنى مسجداً جميلاً ورائعاً في "أسكودار"، بالجزء الآسيوي من إسطنبول، عام 1548، وبنى لها جامعاً آخر في الجزء الأوروبي بمنطقة "أدرنه كابي" عام 1562-1565، ويحمل نفس الاسم.
السر في هذين المسجدين أنه في 21 اذار من كل عام، الموافق لولادة الأميرة، عندما تغيب الشمس خلف مئذنة جامع "مهرماه" في الجزء الأوروبي يظهر القمر فوق مئذنة جامع "مهرماه" في الجزء الآسيوي، فضلاً عن أن الشمس والقمر لا يلتقيان، وفي إشارة إلى أنه لم يلتقِ بمن أحبّها بنى سنان كل جامع في شطر، واحد في أوروبا والثاني في آسيا.
- إنجازات فريدة
شارك المعمار سنان في إنشاء طراز معماري إسلامي عثماني جديد من شأنه أن يلبّي متطلبات العبادة، ويحقق الجمالية المنشودة، ويأخذ في الحسبان قضايا العمارة، فأبدع طرازاً معمارياً إسلامياً عثمانياً، وذلك بخبرة ومهارة، وذكاء ورغبة في التجديد والابتكار والإبداع.
وإذا كانت العمارة البيزنطية قدمت للمعمار سنان ومعاصريه عناصرها المعمارية الأساسية، خاصة القبة الكبرى المركزية، فإن المعمار سنان انطلق منها في إبداع طرازه المعماري الإسلامي العثماني الجديد.
ويمكن تحديد الطراز المعماري الإسلامي العثماني الجديد بعدة خصائص؛ منها القبة الكبرى المركزية، التي تحقق مساحة واسعة، والصحون الجانبية التي تعلوها أنصاف قباب، والمآذن الرشيقة المرتفعة التي تجسّد الطموح الروحي ودرجاته في أسمى معانيهما.
وأيضاً الاهتمام بالأنوار والضياء، وامتداد شلال النور، وإيحاءاته الروحية، والحرص على حسن توزيع الإضاءة وتجانسها، وكل ما من شأنه أن يزيد في صفاء البناء ومنطق الهندسة المعمارية الشفافة، بالإضافة إلى حسن استخدام ألواح الخزف في كسوة أعالي الفتحات والنوافذ والأبواب والجدران.
وترك المعمار سنان 441 أثراً هندسياً رائعاً، من بينها 80 مسجداً سلطانياً، و50 مسجداً عادياً، والعديد من المستشفيات والقصور الفخمة، والحمامات التركية الشهيرة، والجسور، والأضرحة، وبيوت القوافل، وخزانات حفظ مياه للشرب، وغيرها من الآثار المعمارية، وفوق ذلك كله خلّف بصمة تاريخية تمجّده وتنشئ مدارس تابعة ومقلّدة لأسلوبه وطرازه المعماري.
عنه يقول "هـ.كلوك"، العالم الألماني وأستاذ تاريخ العمارة في جامعة فيينا، إن سنان يتفوق فنياً على مايكل أنجلو، صاحب أكبر اسم فني في الحضارة الأوروبية.
(الخليج اونلاين)