لئلا نُتهم بأننا لا نرى سوى السلبيات في المشهد اللبناني، وهي كثيرة للأسف، وآخرها حضارة النفايات التي نعتزم على تصديرها إلى الخارج، بعدما كنا صدّرنا الحرف والأدمغة، تأتي المهرجانات الصيفية، في أكثر من منطقة لبنانية، لتضيء ليالينا التي اشتاقت عتماتها للكهرباء.
وفي هذه الظاهرة، أي تعميم المهرجانات الناجحة، وقد أصبح العديد منها في مصاف المهرجانات العالمية، مشاركة وتصميماً وتنظيماً، أكثر من دلالة، ولعل أهمها أن الشعب اللبناني، على رغم ما يحيط به من "قرف"، لا يزال يحب الحياة، وهو يسعى بكل طاقته إلى تجميل الواقع، الذي لا يشبه أي واقع آخر في أي بلد من بلدان العالم الثالث، من حيث الكمّ الهائل من الامور اليومية غير "الظابطة"، والتي تحتاج إلى تدخل رباني لاصلاح ما افسدته السياسة.
وحب الحياة لدى اللبناني ليس جديدأ، بل يدخل في صلب تكوينه الفيزيولوجي، على رغم انسيابه الطبيعي إلى كل أشكال الفوضى، وهذا الشغف تمثّل في الماضي مع تآلفه مع بشاعة الحرب الاهلية، إذ كنا نشاهده يرمم منزله أو دكانه في كل مرّة كانا يتعرضّان للقصف. ولم تكن تلك الحرب القذرة لتمنعه من مواصلة حياته، محاولاً التقليل من أضرارها بشتى الوسائل المتاحة.
وللتدليل على حبّ اللبناني للحياة ندعوكم إلى قيادة سيارتكم على أوتوستراد الدورة – جونيه مثلاً أو في أي منطقة أخرى من بعد منتصف الليل لتشاهدوا بأم العين حركة السير وكأنها في عزّ النهار، وهذا ما يمكن تفسيره أولاً بأن اللبناني "عيّش" ويتكيف مع كل الظروف، وثانياً بأنه يحاول الخروج من سجن الأزمات المتراكمة مهما كلف الامر.
وعلى رغم رائحة الزبالة ورائحة الصفقات، وعلى رغم انقطاع التيار الكهربائي بشكل غير مسبوق المترافق مع موجة حرّ غير اعتيادية، قرر اللبناني أن لا شيء قادر على منعه من الإستمرار في حياته والمضي قدماً في ما يعزز حضوره، أقله على المستوى الاجتماعي.
فلا رائحة الزبالة، ولا الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ولا زحمة السير الخانقة، ولا التلويح بعصا رواتب الموظفين، ولا بالسلسلة التي تبدأ ولا تنتهي من الأزمات السياسية والهواجس الأمنية، ستحول دون عشق هذا اللبناني لهذه الحياة.
("لبنان 24")