عندما تقترن الإرادة بالموهبة والطموح تولد ابتكاراً قل نظيره، وتحوّل الإعاقة الجسدية إلى إبداع فكري. هذا ما حصل مع الفنان توفيق ضاهر الذي تعرض لحادثة أفقدته القدرة على المشي وأكسبته في المقابل قدرات هائلة جعلته يتصدر صفحات التميّز عبر كتاب "غينيس" مرتين: الأولى عام 2002 من خلال صنعه لأكبر مجسّم لباخرة التايتانك، من عيدان الكبريت، والثانية عام 2009 من خلال صنعه لأطول مجسّم في العالم لبرج إيفل.
حكاية توفيق ضاهر قد يعرفها الكثيرون، ولا سيما أنه شارك في العديد من المعارض، أبرزها معرض خاص به في الاونيسكو على مدى أسبوع، شهد نجاحاً لافتاً، "هو أهم معرض لي في حياتي"، كما يقول في حديث لـ "لبنان 24"، مضيفاً إنه شارك في معارض عديدة منها رشيد كرامي، فورم دو بيروت، البيال، وأكسبو بيروت الدولي.
وعن مسيرته الإبداعية، يؤكد ضاهر أنها مستمرة، وهو يتحضر لإستكمال مجسّم المسجد الأقصى بملايين عيدان الكبريت، ليضاف إلى إنجازاته السابقة، وربما لدخول "غينيس" من جديد.
الفكرة بدأت خلف قضبان السجن، الذي دخله إثر ثأره من شخص كان السبب في إعاقته، هناك وجد نفسه وحيداً بعدما تخلى عنه الجميع بمن فيهم أشقّاؤه، عضّ على جراحه وأطلق العنان لخياله، وصنع مجسّمه الأول من عيدان الكبريت، وهو عبارة عن بيت لولّاعة، استخدم فيه 63 عوداً، ثم علبة سجائر وبعدها علبة محارم. عيدان الكبريت ذكّرت ضاهر بمأساته في سجنه، "عندما يسقط من يدنا عود كبريت لا ننحني لإلتقاطه، تماما كالإنسان عندما يقع في مصيبة، يتخلى عنه الجميع". يوجز تجربته قائلاً: "بعد خروجي من السجن دخلت بيتي، ولم يكن يوجد فيه عود كبريت، ومن لا شيء صنعت ما صنعته، والتحدي بالنسبة لي كان كبيراً بأن أعود إلى المجتمع وأستحوذ على نظرات التقدير والإعجاب، على رغم كل ظروفي الصعبة".
في السجن أيضاً صنع طاولة زهر، وغيرها العديد من المجسّمات الصغيرة، كان يرسلها مع والدته إلى منزله في بلدة الفريكة. وبعد خروجه من السجن عمل على ترميم هذه القطع الفريدة، ونتيجة لما لاقاه من تقدير، استكمل درب النجاح متسلحاً بالصبر والموهبة، وصنع مجسّماً لقلعة بعلبك الأثرية بعد ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، لتكون أول تحفة كبيرة الحجم ينجزها، تلتها سيدة حريصا، استغرقت ثمانية أشهر، وبعدها سفينة التايتانك التي عبر من خلالها إلى أرقى سجل للإبداع، إلى موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، وذلك في 25 آب عام 2002. ترتفع السفينة بطول 3 أمتار وعرض 60 سم، استلزم صنعها 18 مليون و400 ألف عود كبريت بكلفة 7500 دولار. أما برج إيفل فاحتاج إلى 6 ملايين عود كبريت، بعلو حوالي 7 أمتار، يتألف من ثلاث طبقات ويقسم إلى ثمانية أقسام، بلغت تكلفته 11 ألف دولار.
هي عيدان الثقاب التي لا يهتم لأمرها أحد، جسّدها الفنان توفيق ضاهر في قطع فنية ضخمة وفريدة، محولاً معها عجزه إلى حكاية نجاح، خلّدته بدورها على صفحات المجد، وجعلته ضيف شرف دائم في سجلات الإبداع، فحصد العديد من الجوائز التقديرية، ذاع صيته ووصل إلى العديد من المسارح العالمية، وقصر الإليزيه واحد منها.
هائل توفيق خويس
18/08/2026 14:16:13
18/08/2026 14:16:13
Lebanon 24
Lebanon 24
هائل توفيق خويس
18/08/2026 14:16:13
18/08/2026 14:16:13
Lebanon 24
Lebanon 24