سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي عملية التحدّث مع أيٍّ كان، في أيّ مكان ومجّاناً، ما شجّع التعارف عبر الانترنت باستخدام تطبيقات الحاسوب والهواتف النقالة. وبات يكفي أيّ فتاة وضع صورة جميلة لها على غلاف الفايسبوك الخاص بها أو الواتساب حتى تتلقى العديد من عروض التعارف على شكل رسائل الكترونية. بدورها تسهّل مواقع التعارف الخاصة عبر الانترنت هذه العملية أيضاً واعدةً زائريها بلقاء شريك العمر. ولكن هل التعارف عبر الإنترنت يمكن أن يؤدّي إلى علاقة جدّية وحب حقيقي؟صيت مواقع التعارف الخاصة ليس ذائعاً في لبنان، واستخدامها غير كثيف، فيما يبقى التعارف عبر "فايسبوك" أكثر انتشاراً، إلّا أنّ التعويل عليها بات رائجاً في الغرب بهدف إيجاد شريك.
ويشير استطلاع رأي أجرته شركة IFOP الفرنسية عام 2012 إلى أنّ شخصاً من كلّ أربعة أشخاص في فرنسا قد تسجّل في موقع للتعارف، وأنّ 40 في المئة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع جاهزون لتسجيل أنفسهم في حال وُجدوا بلا شريك.
واقع أو وهم؟
يرى روّاد الحب بالمراسلة أنّ الإنترنت وسيلة ناجحة وعصرية يبحثون فيها عن التعارف وحتّى الحب، من خلال عشق صورة الحبيب والكلمات المعسولة المتبادَلة. فتشكّل الصورة والكلمات في هذه الحال نواة حبّ لا يعرف المغامرون فيه إلى أين يمكن أن يقودهم.
تروي ناتالي الشابة العزباء إبنة الـ30 عاماً لـ"الجمهورية" أنّ "الضجر وتعثّر إيجاد حبيب دفعني إلى البحث عن شريك عاطفي عبر مواقع التعارف، فلجأت إليها بحثاً عن الدردشة وعن مواعدة شاب يسلّيني".
ولكن سرعان ما اكتشفتُ أنّ مرتادي هذه المواقع من الشباب لا يبحثون سوى عن المال والجنس. وتكشف أنها تعرّفت إلى سامي، الذي كان يغازلها ويهتمّ بها، لافتةً إلى أنّ "هدفه الأساس كان العلاقة الجسدية التي تجمعنا، وعندما حصل على مبتغاه، بات يطلب مني المال، وعندما عجزت عن تأمينه ما عاد يجيب على اتصالاتي المتكرّرة وغيّر رقم هاتفه حتى لا أتمكّن من الاتصال به".
الخدعة التي تعرضت لها "نتالي"، تنبهت لها فتيات أخريات، فلم تتعدّ علاقاتهنّ عبر مواقع التعارف حدّ الشاشة. ومن جانبها، تؤكد الطالبة الجامعية في سنتها الأخيرة لينا: "أشعر وراء الشاشة بأنني قوية، قادرة على التحدّث بحريّة وعلى عرض أفكاري ووجهات نظري وعلى مواجهة الرجال، ولكنني لم أسع يوماً إلى الالتقاء بأحد هؤلاء".
وتضيف: "لا يبحث الرجل الشرقي عن الزواج عبر مواقع التعارف والتواصل، بل يسعى فقط وراء اللهو والتسلية، فهو يدبّر مَن تسلّيه عبر الانترنت أو حتى مَن يتسلّى باللعب على أوتار مشاعرها، وينتظر أن يدبّر له أهله أوأصدقاؤه امرأة صالحة للزواج".
ولكنّ التجارب الفاشلة لعددٍ من النساء لا تعني أنّ التعارف بواسطة الشبكة العنكبوتية لا يمكن أن ينجح. فالعديد من الفتيات وجدن بالتعارف عبر الانترنت وسيلة لاصطياد فتى الأحلام. ودوّنت الأيام زيجات كثيرة وعلاقات ناجحة جمّة بدأت أولى خيوطها بالمراسلة.
وتؤكد كارين، ربّة المنزل وأم لطفلين، أنها تعرّفت على زوجها بعدما أُعجِبَ بصورتها عبر "فايسبوك" وحاول التواصل معها. وتقول: "في أوّل لقاء جمعنا في أحد المقاهي بعد شهر من الحديث عبر الانترنت، شعرت أنني أعرف الكثير عن شخص لم يسبق لي أن التقيته من قبل، وذلك بسبب الأحاديث الطويلة التي جمعتنا قبل اللقاء، ما عزّز إحساسي بالأمان أثناء اللقاء الأول وساهم في تطوّر العلاقة". وتشير إلى أنّ "هذه القصّة كانت أشبه بقصص الخيال، إذ "وجدت عبرها فارس أحلامي على الانترنت بعد عدد من العلاقات الفاشلة، وتزوّجنا ورزقنا بطفلين".
حبّ في سطور
من المؤكّد أنّ اتّجاه النساء المتزايد للتعارف عبر العالم الافتراضي في لبنان ما كان ليتحقّق لولا انخفاض فرص التعارف في الحياة اليومية. وقد بات واضحاً أنّ هجرة الشباب اللبناني الكثيفة للعمل في الخارج بسبب نقص فرص العمل في لبنان لم تترك لهؤلاء مجالاً للتعارف الى فتيات بلادهم إلّا عبر الانترنت، في حين تهتمّ الفتاة اللبنانية بالتعرّف الى شاب تمكَّن من السفر ومن تأسيس حياته في الخارج لأنه "سيريحها".
وتروي رنا لـ"الجمهورية"، وهي إحدى الفتيات اللواتي يعانين من مشكلة التعرّف المتفشّية في البلاد، كيف أُعجب شاب لبناني مقيم في الخليج بصورتها عبر "فايسبوك"، ودأب على التواصل معها لفترة 6 أشهر من خلال "فايسبوك" و"سكايب" و"واتساب" قبل لقائهما الأول في لبنان. وتؤكّد "أنّ الشاب اللبناني المقيم في الخارج يكون أكثر جدّية في محاولة تعارفه على فتاة لبنانية عبر الانترنت من الشاب المقيم في لبنان، لأنه يملك المال وقادر على تأسيس عائلة".
وتضيف بلهجة حذرة أنّ "المشكلة الوحيدة في ذلك أنه لا يتسنّى للفتاة الوقت الكافي للتعارف اليه قبل الزواج، إذ إنّ تواجده في الخارج معظم الوقت يحصر العلاقة بحدود الشاشة ويمنع الطرفين من معاينة تصرّفات بعضهما البعض على أرض الواقع، فيتحوّل هذا الحبّ إلى حلم يرسم الطرفان ملامحه في خيالهما".
رأي العلم
فهل الذين يغرمون بالمراسلة يكونون بحاجة لحبّ حلم؟
يؤكّد عالم النفس الفرنسي باسكال كوديرك في كتابه "الحبّ في زاوية الشاشة» (L’amour au coin de l’écran) أنّ الحبّ الرقمي لا يشبه التعارف والحبّ في الحياة الواقعية، لأنّ هذا الحبّ تشعله الكلمات ويمكن أن يكون انتقاله إلى الحياة الواقعية مخيباً للآمال. ويشير إلى أنّ تبادل الرسائل المشبَعة بالكلام المعسول يزيد الرغبة، وتلعب الكلمات دور مداعبة الأحاسيس ما يفعّل عمل الخيال.
ويشير إلى أنّ المغرمين رقميّاً، الذين انخدعوا بهوية مشاعرهم الخاصة أو مشاعر الحبيب وقعوا جميعهم في الفخ عينه، لأنّ كلّ علاقة تبدأ بالكتابة هي خيال بالدرجة الأولى ومكوّنة من أحلام مستنتجة من أجوبة الحبيب وتعليقاته. ويَعتبركوديرك أنه كلما زادت رغبتنا في الحبّ كلّما زاد إعجابنا بصورة الطرف الآخر في خيالنا.
وبين مؤيّد ومعارض للحبّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يبقى اللقاء الشخصي حاسماً وأساسياً في إطار بناء علاقة عاطفية جدية وناجحة، يتأكّد من خلاله الطرفان من هوية مشاعرهما وإمكانية انسجامهما، فيتّضح ما إذا كان هذا الإعجاب أو الحبّ عبر الشاشة سيتواصل على أرض الواقع، أم أنّ هؤلاء خُدعوا بشخصيات عبر الإنترنت اكتشفوا بعد اللقاء أنها لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
(سابين الحاج - الجمهورية)