لم تكن طريق الطاهي الثلاثيني إبراهيم بدوان سهلة ممهدة في مسعاه لنشر ثقافة الطعام الصيني في منطقة صغيرة مثل
قطاع غزة، تحكمها العادات والتقاليد في كل شيء، وتعاني عزلة خانقة، جراء حصار مشدد تفرضه
إسرائيل منذ 16 عاما.
غير أن "الشيف" بدوان (31 عاما) يبدو راضيا عن ما حققه من نجاح حتى الآن، ويقول -للجزيرة نت- إن تحديا كبيرا واجهه في التعريف بثقافة الطعام الصيني ونشرها، كون غالبية الغزيين (وهم مليونا نسمة) لم يسبق لهم السفر، ويحول الحصار
الإسرائيلي بينهم وبين الثقافات الأخرى.
عائق
كورونا
وكانت جائحة كورونا واحدة من أبرز المعوقات التي اعترضت طريق بدوان، وبذل جهدا مضنيا للتغلب على قناعات سلبية مرتبطة في أذهان الكثيرين عن ثقافة المطبخ الصيني وعادات الصينيين في المأكل والمشرب.
وقال بدوان، الذي يعمل منذ سنوات طويلة في مطاعم شهيرة في غزة، إن الغزيين كما غيرهم من شعوب المنطقة العربية، وحتى شعوب دول أخرى حول العالم، لديها ما وصفها "نظرة سيئة" عن الطعام الصيني، ولا سيما بعد انتشار
فيروس كورونا انطلاقا من
الصين.
وتابع بدوان، بينما كان منشغلا بوضع اللمسات الأخيرة على طبق صيني لأحد الزبائن، أن أنماط الطعام هي ثقافة، كما كل شيء في هذه الحياة، والإنسان بطبعه يحب التجربة والتعرف على ثقافات جديدة، واصفا ما حققه حتى اللحظة بأنه "طفرة"، فقد أصبح للطبق الصيني زبونه، الذي يقصد المطعم خصيصا لتذوقه.
ثقافة الطعام
بدأت حكاية بدوان مع تعلم الأطباق
الصينية قبل نحو عامين، عندما اضطر وسكان غزة إلى
التزام منازلهم، تطبيقاً لإجراءات طارئة لمجابهة جائحة كورونا والحد من انتشارها، ويقول "طالت فترات الحجر الصحي، وتعطلت أعمالنا وحياتنا، وكان لابد من استثمار أوقات الفراغ الطويلة".
في ذلك الحين، انكب بدوان على مواقع وقنوات على شبكة
الانترنت مختصة بتعليم فنون الطهي، لأطباق من مطابخ كثيرة، من بينها المطبخ الصيني، الذي استوقفه، وجعله يتعمق في البحث عن محتوياته وخصائصه.
والتحق بدوان بورش عمل صينية عبر الانترنت لتعليم طرق تحضير الأطباق الصينية، ويقول إنه لا يجيد اللغة الصينية، لكن بعض الحلقات التعليمية كانت مزودة بشرح بلغة الإشارة، وقد استعان بصديق يجيد هذه اللغة لترجمة المحتوى.
لأكثر من عام انتظم بدوان في متابعة ورش ودورات متخصصة، حتى تمكن من إجادة الكثير من الأطباق الصينية، التي بدأ بتجربتها في نطاق أسرته، ونشر مكوناتها وطريقة تحضيرها مرفقة بالصور على حساباته الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي.
وقال "في البداية كانت ردود الفعل متباينة، البعض استغرب تعلمي أطباقاً صينية ونشرها في وقت كانت فيه الصين تواجه تهماً بأن ثقافتها الغريبة في الطعام هي السبب وراء انتشار فيروس كورونا، ومع استمراري في التجربة وجدت تجاوباً من متابعين يسألون عن تفاصيل المكونات وطريقة التحضير وفوائدها الصحية".
ولتشجيع المزيد على التجربة، لجأ بدوان إلى دمج ثقافة الطعام العربية بالثقافة الصينية، وإدخال تعديلات على أطباق صينية باستبدال مكونات بأخرى، أو الاستغناء كلياً عن بعضها كي تتناسب والذوق العام، أو بسبب عدم توفر بعض مكونات المطبخ الصيني في غزة المحاصرة.
خصائص الطعام الصيني
وقال بدوان إن فكرة تعلم أطباق من المطبخ الصيني لم تراوده من قبل، وما شجعه على التعمق في ثقافة الطعام الصيني أن المطاعم في غزة التي تعد أصنافا عدة من مطابخ غربية وهندية وخليجية، تخلو قوائمها من الطبق الصيني.
وأصبح الشيف الثلاثيني، اليوم المتخصص الوحيد في غزة في إعداد أطباق مختلفة من الطعام الصيني، الذي يصفه بأنه "غني بالمكونات الصحية".
وبعيدا عن تلك العادات الشعبية الغريبة لدى الصينيين في بعض طعامهم، يقول بدوان إن هناك عادات جميلة تجعل الطعام يحتفظ بقيمته الغذائية الصحية ومذاقه الطبيعي، وأبرزها عدم طهيه بالكامل، بتجنب وضعه لفترة طويلة على درجات حرارة عالية.
ويشرف الشيف الثلاثيني، حاليا على ورش عمل تعليمية في غزة للراغبين في تعلم فنون إعداد الطعام الصيني، ويتطلع إلى المشاركة في مسابقات طهي خارجية.
ويحلم بدوان، الذي كان طفلاً إبان سنوات الانفتاح القليلة التي شهدت فيها غزة حركة سياحية نشطة عقب تأسيس السلطة عام 1994، أن يرفع الحصار عن غزة وتعود إليها الحياة من جديد، وأن يمتلك مطعما متخصصا في الأطباق الصينية.