نظّم قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمرًا دوليًا متعدد الاختصاصات بعنوان: "التباسات الضيافة: الأبعاد الأخلاقية والسياسية والاجتماعية" (Les ambiguïtés de l’hospitalité : dimensions éthico-politiques et sociaux)، وذلك على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومتخصصين من
لبنان وفرنسا وسويسرا، إلى جانب عدد من المفكرين والباحثين في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بهدف دراسة شروط الضيافة بوصفها ممارسة أخلاقية واجتماعية، واستكشاف سبل أكثر عدالة وإنسانية للعيش المشترك.
حضر الافتتاح النائب البطريركي على نيابة صربا المارونية المطران بولس
روحانا، ممثّل وزير الثقافة غسان سلامة الأستاذ جاد تابت، نائبة رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية الدكتورة ريما مطر، عميد كلية الآداب والعلوم الأب الدكتور فريد المجبِّر، وعدد من الأساتذة والطلاب.
وبحث المؤتمر في مفهوم الضيافة وحدودها، انطلاقًا من التساؤل حول المعنى الحقيقي لاستقبال الآخر، والتحديات التي تطرحها العلاقة بين الضيافة غير المشروطة باعتبارها مبدأً إنسانيًا وأخلاقيًا، والضيافة المشروطة التي تتأثر بالاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتضمّن البرنامج سلسلة من الجلسات الحوارية التي تناولت قضايا متنوعة، من بينها الضيافة في العلاقات الدولية، واللقاء الروحي مع الآخر في الديانتين
المسيحية والإسلامية، واستقبال الآخر في السياقات النفسية والاجتماعية، فضلًا عن قضايا اللجوء والهوية والتربية والتعددية الثقافية، وصولًا إلى التحديات الرقمية والسياسية المعاصرة.
الافتتاح
دمرجيان
افتتحت أعمال المؤتمر بكلمة للعميدة المشاركة ورئيسة قسم الفلسفة الدكتورة كارين نصر دمرجيان، التي أكدت "أن الضيافة تنطوي على معادلة دقيقة بين أخلاقيات الاستقبال غير المشروط، من جهة، وما تفرضه الاعتبارات
القانونية والسياسية والاجتماعية من شروط، من جهة أخرى. وشددت على أهمية مقاربة هذا التوتر بما يضمن كرامة الإنسان، ويوازن بين المسؤولية السياسية ومتطلبات الخير العام.
كما أشارت إلى أن المؤتمر اكتسب دلالة خاصة بعد تأجيله من الربيع إلى خريف 2026 بسبب الحرب، معتبرة أن انعقاده يشكل تعبيرًا عن الصمود والتمسك بمساحات الحوار والتفكير المشترك، في مواجهة العنف الذي يهدد الروابط الإنسانية ويوسّع الهوة بين الشعوب.
فياض
ثم ألقت منسّقة المؤتمر البروفسورة ماري فياض ورئيسة مختبر "صوفيا" كلمة أكدت فيها أن الضيافة، رغم جذورها الحضارية العريقة، تحمل تناقضات عميقة بين الصداقة والعداء، ما يجعلها قضية أخلاقية وسياسية واجتماعية تتجاوز استقبال الآخر إلى كيفية التعايش معه.
وحذّرت من اختلال التوازن بين الانفتاح على الآخر والخوف منه، معتبرة أن هذا التوتر قد يتحول إلى صراعات مدمّرة بين الشعوب، داعية إلى مراجعة علاقة الإنسان بذاته وبالآخر المختلف والطبيعة والمطلق.
وشددت فياض على أهمية التفكير في أسس عالم مشترك يتجاوز حدود القرب والانتماء، ويؤسس لفلسفة تعترف بالاختلاف من دون التخلي عن القيم الإنسانية الكونية. كما دعت إلى إعادة النظر في مفاهيم الإنسان والهوية الوطنية والمواطنة والسيادة، في ظل التحولات التي يفرضها التقدّم التكنولوجي وصعود تيارات ما بعد الإنسانية، مؤكدة أن الحق في الضيافة لا ينفصل عن حقوق الآخرين.
الأب المجبّر
ثم تحدث الأب فريد المجبّر مؤكدًا أن الضيافة تشكل جوهر الحوار الإنساني، إذ تعني الانفتاح على الآخر والاستعداد للتغيير، رغم ما ينطوي عليه هذا الانفتاح من مخاطر وتحديات.
وشدد على دور الجامعة بوصفها مساحة تحتضن الأفكار المختلفة، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره فرصة للحوار لا سببًا للإقصاء.
وتناول مفهوم الضيافة من زوايا متعددة، مستعرضًا دور الفلاسفة والأطباء النفسيين وعلماء الأنثروبولوجيا والدبلوماسيين والكتّاب والمترجمين والمربين، وصولًا إلى المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، ومعتبرًا أن استقبال الآخر يفتح المجال أمام إثراء التجربة الإنسانية وإعادة النظر في المسلّمات.
وختم بتوجيه الشكر إلى وزارة الثقافة والمشاركين والمنظمين، متمنيًا أن تشهد أيامه الثلاثة نقاشات مثمرة واختلافات بنّاءة تتيح لكل طرف استقبال فكر الآخر.
تابت
واختتم الافتتاح بكلمة ممثل وزير الثقافة جاد تابت الذي شدّد على أهمية الضيافة باعتبارها قيمة تتجاوز المجاملة وحسن استقبال الآخر، لتشكّل أساسًا للعلاقات الاجتماعية وشرطًا من شروط قيام المجتمعات وتماسكها، في زمن تتراجع فيه قيم الانفتاح وتتقدّم فيه نزعات الانغلاق والرفض.
واستهلّ تابت كلمته بنقل تحيات وزير الثقافة غسان سلامة، وإعجابه بالشجاعة التي تطلّبها تنظيم مؤتمر يضع الضيافة في صلب النقاش العام، في وقت تبدو فيه هذه القيمة، على حدّ تعبيره، منسيّة أو حتى موضع استخفاف.
وانطلق في مقاربته من التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية اليوم، من التغيّر المناخي والحروب والأزمات الاقتصادية، إلى تفاقم اللامساواة داخل الدول وفي ما بينها، وصولًا إلى تراجع أنظمة التنظيم الدولي. ورأى أنّ هذه التحوّلات، وما يرافقها من موجات هجرة متزايدة من الجنوب إلى
الشمال ومن الشرق إلى الغرب، تدفع المجتمعات إلى الانكفاء على ذاتها، وإلى النظر إلى الأجنبي بوصفه منافسًا أو تهديدًا لمصالحها وثرواتها، بدل اعتباره شريكًا في الحياة المشتركة.
ولفت إلى أنّ العولمة وانفتاح الأسواق والتسارع الهائل في تداول المعلومات والصور لم تؤدِّ بالضرورة إلى تعزيز التفاهم بين الشعوب، بل أسهمت، في حالات كثيرة، في تعميق الانقسامات وتكريس الانتماءات الهوياتية المغلقة، محذّرًا من تحوّل الهويات إلى ما يشبه" الهويات القاتلة" التي تجعل الاختلاف سببًا للإقصاء بدل أن يكون مصدرًا للغنى والتنوّع.
ومن موقعه كمهندس معماري، توقّف تابت عند التحوّلات التي أصابت الفضاء العام، حيث باتت الكاميرات وأنظمة المراقبة والبوابات الأمنية تحاصر أماكن يفترض أن تكون مفتوحة للقاء والتفاعل. واعتبر أنّ هذا الانغلاق لا يقتصر على المجتمعات الغربية، بل يطال أيضًا مجتمعات البحر المتوسط والمجتمعات العربية، بما فيها لبنان، رغم المكانة الأساسية التي تحتلّها الضيافة في ثقافتها وتقاليدها.
وأشار إلى أنّ المشكلة لا تكمن في التخلّي الصريح عن الضيافة، بل في تضييق نطاقها، إذ باتت المجتمعات تميل إلى استقبال من تعتبرهم شبيهين بها، فيما تتقلّص تدريجيًا دائرة من يُعترف بهم بوصفهم «آخرين مقبولين».
وفي صلب هذه المقاربة، وضع تابت مفهوم الضيافة في إطار العلاقة المتبادلة بين المضيف والضيف، حيث لا يكون أحد الطرفين مستقلًا تمامًا عن الآخر، بل تقوم العلاقة بينهما على الاعتماد المتبادل. ومن هذا المنطلق، اعتبر أنّ الضيافة ليست مجرّد فضيلة أخلاقية أو سلوك فردي، بل هي أحد الأسس التي تقوم عليها البنية الاجتماعية والدولة والأمة، لأنّ كل فرد وكل جماعة وكل فئة اجتماعية تعتمد، بصورة أو بأخرى، على الآخرين.
وخلص إلى أنّ الضيافة هي الإسمنت الذي يجمع المجتمع، والأساس الذي يقوم عليه كل رابط اجتماعي، وهو ما يمنح المؤتمر أهميته، ولا سيما في لبنان وفي هذه المرحلة الدقيقة.
وختم تابت بالتأكيد أنّ إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تتحقّق إلا من خلال الاعتراف المتبادل بالحاجة إلى الآخر، وإعادة تأسيس العلاقات بين الأفراد والجماعات على قاعدة الاعتماد المتبادل. فإعادة خلق لبنان، في نظره، لا تبدأ من إنكار الاختلاف أو الانكفاء داخل الجماعات، بل من إرساء قواعد مشتركة تنظّم هذه العلاقة، وتحوّل الحاجة إلى الآخر من مصدر قلق إلى أساس للحياة الوطنية المشتركة.
هذا وشكّل المؤتمر مساحة أكاديمية للحوار وتبادل الرؤى بين اختصاصات متعددة، مسلّطًا الضوء على التوتر القائم بين الضيافة باعتبارها قيمة إنسانية جامعة، والشروط التي تفرضها الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على استقبال الآخر.