أقامت جامعة الروح القدس – الكسليك احتفالها السنوي بمناسبة عيد شفيعها، عيد العنصرة، تخلله قدَاس ترأسه قدس الأب العام نعمة الله الهاشم، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الأعلى للجامعة، ممثلاً بالنائب العام الأب كرم رزق، بمعاونة رئيس الجامعة الأب البروفسور جورج حبيقة ورئيس دير الروح القدس الأب جورج قزي، وبمشاركة راعي أبرشية صربا المارونية المطران بولس روحانا والقائم بأعمال السفارة البابوية في لبنان المونسينيور إيفان سانتوس، والأب المدبر هادي محفوظ، وجمهور آباء دير الروح القدس.
حضر الحفل النواب نعمت افرام، شوقي الدكاش، روجيه عازار وعماد واكيم، النائب السابق نعمة الله أبي نصر، رئيس مجلس أمناء الجامعة د. جورج الترس وأعضاء مجلسي أمناء وأعضاء الجامعة، أعضاء الهيئة التعليمية والإدارية وحشد من المدراء العامين والفعاليات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والدينية ورؤساء وممثلي الجامعات والأصدقاء...
وبعد عرض وثائقيين سلّطا الضوء على نشاطات الجامعة وانجازاتها خلال العام المنصرم وتضمنا شهادات حية لبعض الطلاب المتميزين، ألقى رئيس الجامعة الأب البروفسور جورج حبيقة خطابه السنوي احتفاء بالمناسبة، بعنوان: "الميثاق الوطني اللبناني والديمقراطية"، واضعًا وجهًا لوجه الميثاق، صيغة فريدة والديمقراطية كنظام سياسي، مقدمًا إلى حد بعيد ديمومة الميثاق اللبناني على أية إيديولوجيا سياسية أخرى.
وانطلق الأب الرئيس في كلمته من مفهوم "الديمقراطية" الذي التجأت إليه المجتمعات منذ القدم إلى اليوم، اقتناعًا منها أنه يصون الحرية، ويؤمن للشعب الكلمة الفصل في اختياره ممثليه أو في من يديرون الشؤون السياسية باسمه.
وجاء في الخطاب أيضًا ما مفاده أن مفهوم الديمقراطية التي تعني في لغة الإغريق "قوة الشعب وسلطته" لم يلقَ رواجًا في فلسفة أفلاطون السياسية، عملاق الفكر في الأزمنة القديمة؛ لما لمفهوم السياسة من أهمية قصوى في إدارة المجتمع تحول دون أن تكون من خارج النخبة التربوية والفكرية.
كما ناقش الأب حبيقة أنماط الديمقراطية، واستعرض أشكال الأنظمة السياسية الاجتماعية الرائجة، من مستبدة وديكتاتورية وأحادية اللون وسواها. وانتهى المطاف بالتوقف عند ميل الإنسانية الى الديمقراطية.
وتوقف الأب حبيقة في كلامه عند الميثاق الوطني اللبناني كنقيض للأنظمة السياسية العربية القائمة على مبدأ "الانصهار الوطني"، الذي يطفو كزبد مرضي على سطح الخطب السياسية المستنسخة والمجوفة في بلدان تفتقر إلى خدمات العقل ومفاهيم الإنسانية الأساسية. واعتبر "الانصهار الوطني" المزعوم مصطلحًا يستعمل، أصلًا وحصرًا، للمعادن التي تدخل متنوعة إلى الأتون لتخرج منه شكلًا واحدًا وتركيبًا كيميائيًا واحدًا.
وأشار إلى أن نصوص اتفاقية الطائف استفاضت في استخدام مصطلح "الانصهار الوطني"، وشدّدت عليه، بكل أسف، وبالتالي، خالفت روح وفلسفة الميثاق الوطني اللبناني، الذي إن هو إلا النقيض للانصهارية المذوّبة لحق الآخر في الاختلاف. كما خالفت رسالة لبنان الاجتماعية والسياسية التي تسعى إلى مشروع وحدة إنسانية ووطنية بين عائلات روحية ومجموعات إتنية وثقافية وحضارية على شاكلة وحدة الجسد، وقائمة على التكامل الوظائفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعها إلا الاختلاف في التآلف.
وحذّر من انتفاء مواطنية صاغتها الطائفية البناءة وفلسفة والميثاق الوطني اللبناني، بحجة إلغاء الطائفية السياسية لصالح مشروع خبيث مبتغاه المنظور تحقيق توسّع طائفة على حساب الطوائف الأخرى، والاستئثار بإدارة دفّة الحكم، بعد إغراق المواطنية اللبنانية في إشكال هويّتي يسلخها عن جذورها، ويبتر تواصلها مع أصالة تاريخها، لأنه رأى في مثل هذه الفاجعة – الواقع، تنازلًا عن الصيغة اللبنانية وضربة قاسية تسدَّد إلى الفرادة اللبنانية في منطقة الشرق الأوسط.
واعتبر الرئيس أن سياسة الاختلاف المعتمدة في النظام اللبناني هي انتصار يومي على الفشل، وعلى منظومة كل من تخوّل له نفسه الترويج "لانصهار" يفضي إلى أحادية لغوية ودينية وسياسية ومجتمعية، لا تلبث أن تنضم إلى مصائب الشرق الأوسط الكبرى، ويكفي برهانًا، ما يجري اليوم، مطلع القرن الواحد والعشرين، من معمودية دم على مساحة هذا الشرق، بالرغم من تكدسات حضاراته وثقافاته.
وفي الختام، ذكّر الرئيس، في كلمته، أن لبنان، بفضل الميثاق الوطني القائم على النظام الطائفي البناء، الإشراكي، المنفتح، المتفاعل والمعترف بالآخر المختلف كشريك كامل الحقوق والواجبات، إنما هو البلد العلماني الوحيد في الشرق الأوسط، إذ لا دين للدولة فيه والتشريع لا ينطلق من الدين. وخلاصة هذا الكلام أن الطائفيّة، الموصوفة من بعض السياسيين اللبنانيين بالبغيضة، هي التي تمنعهم في الواقع من بسط سيطرتهم على مفاصل الدولة كافة. فمطلب إلغاء الطائفية السياسية هو طائفي بامتياز. ويتابع الأب حبيقة أن "الاتهام الموجه إلينا بأننا لا نقيم المسافة الضرورية بيننا، وبين واقعنا السياسي الذي نعالجه... فتتعطل الموضوعية وتنتصر الذاتانية، يدفعنا إلى دعوة اللبنانيين إلى سماع آراء علمية في نظامنا وتركيبة مجتمعنا، من أناس اختصاصيين، يعيشون في بلدان يُشهد لها بالتقاليد الديمقراطية العريقة، المبنية أساسًا على مبادئ المساواة والعدالة والمواطنة الصرفة، شأن رأي الخبير الألماني السابق لدى الأمم المتحدة، والمسؤول عن ملف لبنان، كلاوس د. هيلليبراند": "إن كل سعي لإحداث أي تغيير جوهري في النظام اللبناني إنما هو محفوف حتمياً بمخاطر جمّة، لاسيما في الظروف الراهنة، حيث نرى أن الدول المجاورة والشرق أوسطية، في مجملها، لا ترتدع عن رسم سياسات توسعية جامحة، محَفَّزة في الكثير من الأحيان من حركات إسلامية أصولية متطرفة"... ثم يضيف مقارناً بين الطائفية المقوننة في لبنان، من جهة، والطائفية غير المكتوبة والمستترة، في ألمانيا، من جهة ثانية، ما مفاده: "ان المناصب الأساسية في الدولة والحكومة في ألمانيا، تتوزّع على سياسيين من طوائف ومناطق متعددة، حفاظاً على التوازن العام والمشاركة الواسعة. وهذا الأمر يخفى عن الأجانب".