كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "هل الحياة تشبه عزف الكمان؟".
الحديث عن "الحياة" هو الحديث الذي لا ينقطع، ولا يمكن أن يحسم في يوم من الأيام، ذلك أن المفكرين منذ فجر التاريخ حاولوا، ويحاولون، وسيحاولون أن يسبروا غور هذه الحياة، لعلهم يكتشفون بعض أسرارها، أو ينيرون بعض جنباتها، فلم ولن يجدوا الجواب الشافي والمريح وخاصة لجهة السؤال القائل: لماذا نعيش؟ ما هي الفائدة من الحياة إذا كانت دورتها تبدأ بعذاب الولادة، وتمر بعذاب العيش ثم تنتهي بعذاب الموت، فأين هي الحكمة من كل ذلك.
إلا أن أغلب المفكرين وجدوا أن تجربة الحياة وإن تكررت بصورة مشابهة في الظاهر، فهي في الحقيقة تجربة فردية دائماً.. وعن هذه الظاهرة تقول الكاتبة "كورتيلا سكيرتر" إن المرء يتعلم في دورة حياته أن يحافظ على الصمت، وعلى استخلاص نتائجه بنفسه.
ويقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه:
أليست دورة حياتنا قصيرة ألف مرة وأقصر من أن نشعر فيها بالضجر..؟؟
أما الفيلسوف "جيري براون" فيقول عن الحياة:
إن الحياة حقيقة واقعة وعليك أن تسير فيها، وأن تستسلم للحظة العابرة.
ويقول "براون" دع كل شيء يحدث.
ولكن يبدو أن الإنسان لم ينقطع يوماً عن التساؤل الذي يلاحقه، والفضول الذي يلازمه، والرغبة الدفينة التي تدفعه إلى الاطلاع على كل شيء، ثم تنتهي به إلى التفلسف، وإلى تنوع الأفكار وقد وجدنا في عصرنا الحاضر.. ما قاله جواهر لال نهرو.. في هذا المقام: إني أحيا وسط هذا العالم الفسيح، وأهتم بما يفرزه هذا العالم من حقائق وتجارب، ولا يعنيني من قريب أو بعيد العالم الآخر، أو الحياة الأخرى.
إلا أن جواهر لال نهرو المعروف عنه بأنه ينتمي إلى تلك الفلسفة الهندية التي تقول وتقبل بالتناسخ كحقيقة واقعة والتي بالتالي تؤمن بالحياة الأخرى.. ولكن كلمته الأولى (كما علق عليها بعض الكتاب) قيلت لمجرد التعبير عن رغبته في تحسين أحوال شعبه، وذلك عن طريق تشجيع هذا الشعب بمعايشة الحياة، والبحث عن الجوانب الإيجابية فيها..
أما الفيلسوف "روبرت فروست" فيقول عن الحياة:
إن خصامي مع الدنيا، هو نوع من خصومة الأحباء..
وقال "جون راسكن" في هذا المعنى:
إن الثروة الوحيدة في نظري هي الحياة.. وفي أوائل القرن الحاضر قال "هنري امنيل": إن الإنسان الذي لا حياة باطنية له هو عبد لما يحيطه وفي الواقع لا يكاد يكون لحياتنا الظاهرة أية معنى ما لم يكن لنا اهتمامات باطنية تنير لنا ظلمات حياتنا الخارجية.. وتعيننا على اقتحام منابعها وأهوالها، وهذه الاهتمامات الباطنية لها منبع واحد ووحيد هو الإيمان..
إن القيم الدينية والأخلاقية، والمثل العليا، من شأنها أن تجعل حياتنا جديرة بالاستمرار كما تضعنا في نهاية الأمر على جادة الإيمان، بحيث نؤمن بأن الموت نفسه هو صورة من صور الحياة.. وأن ما بعد الحياة هو دائماً أهم وأبقى مما في الحياة نفسها...
ومما قاله "صاموئيل بانكر": حول هذا الموضوع.. أن الحياة تشبه عزف الكمان في حفلة عامة.. فنحن نتعلم كل خصائص هذه الآلة الموسيقية ونحن مستمرون في العزف..
وقال العلامة "ألبرت أينشتاين" إن الإنسان الذي يعتبر حياته وحياة الآخرين لا معنى لها ليس فقط إنساناً غير سعيد، بل إنه كذلك إنسان غير جدير بالحياة نفسها..
أما بنجامين فرنكلين فقال قبل أكثر من قرنين من هذا الزمن:
"لو كان الأمر بيدي لما عارضت في إعادة حياتي من البداية بشرط أن أطلب لنفسي الامتياز الذي يمنح للمؤلف عندما يصدر طبعة ثانية من كتابه وهو امتياز تصحيح وتنقيح الطبعة الأولى"..
أما فرانك كلوردايت فقد كتب بكل بساطة قائلاً:
كلما عشت أكثر كلما بدت لي الحياة جميلة أكثر ولعل هذه هي الحكمة الأصيلة في الحياة كلها أن نتعلم كيف نعيش أحسن..؟؟
وهكذا سيظل المفكرون والفلاسفة يشحذون زناد أفكارهم بحثاً عن هذا المجهول الذي يكتنف "الحياة" حياة الإنسان.. وهم يحاولون أن يجدوا تفسيراً أقرب إلى الواقع..
ولكن حتى يومنا هذا، ومن بعد هذا أيضاً، ستظل المسافة هي هي.. بين محاولاتهم ونجاحاتهم.. ستبقى الحياة سراً من الأسرار..
ولن تكون الحقيقة قابعة وجالسة إلا في أحضان الدين.. حيث الإيمان وحده سيبقى هو "الحل" لكل بحث.. وهو بالتالي البلسم والملاذ الأخير.. الذي يقود الإنسان إلى التحرر من الشك والهواجس.. والله أعلم (كما يقول ابن خلدون).