كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "النوم العميق يصنع القرار السليم".
يأخذ النوم، والنوم العميق بخاصة الحيز الأكبر من مساحة تفكير الإنسان وعقله، إذ قلما وجد موضوع يسترعي الاهتمام، ويشد الإنسان إليه، والاستماع له، والاهتمام به، وطلب النصح فيه كموضوع النوم. وأطباء النفس، وأخصائيو مختلف الأمراض أول سؤال يطرحونه على مرضاهم: كيف تنام؟ هل تنام بعمق؟ هل تصاب بأرق..؟
فتنصب الوصفات على الذين يعانون الأرق.. فمن قائل: عليك باليوغا والأفرشة المائية،.. وعليك بالحبوب المنومة، إلى ما هنالك من النصائح والتوجيهات وكلها تصب في قناة الإنسان الذي يشكو قلة النوم ويعاني الأرق..
والحقيقة أن الأرق يكاد يتحول إلى مرض مزعج ومقلق معاً... فإذا أصاب الإنسان في ليلة واحدة، سبب له تبلداً في الإدراك، وضعفاً في الذاكرة واضطراباً في القرارات التي يمكن أن يتخذها.. وأذكر بهذه المناسبة ما قاله في هذا الصدد.. رئيس وزراء بريطانيا السابق اللورد ويلسون، وعندما سأله أحد الصحافيين بقوله: ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في رئيس الوزراء الناجح في بريطانيا؟
أجاب ويلسون: إن كل رئيس في أي بلد كان، كي يعتبر ناجحاً حقاً، يجب أن يتوفر لديه أمران:
الأول: أن تكون له نظرة مستقبلية لكل حدث، أو كل موضوع بمعنى أن يكون لديه حس بالحدث قبل أن يقع..
الثاني: أن يتمتع هذا المسؤول بنوم عميق وهادئ، حتى تأتي قراراته هادئة وعميقة وناضجة، إذ ستكون انعكاساً لراحته الجسدية والعقلية النابعتين من النوم العميق الذي ينامه وبمعنى آخر قال ويلسون: إن الرجل المسؤول مثلي عليه أن ينام نوماً عميقاً وهادئاً حتى يتسنى له مواجهة الأحداث اليومية والمستقبلية.
هذا هو كلام ويلسون رئيس الوزارة البريطانية عن الدور المهم الذي يلعبه النوم العميق في حياة المسؤولين أصحاب القرارات والمواقف.
إذ إن كل قرار مهزوز، أو رأي مضطرب، أو فكر قلق، مصدره قلة النوم أي، الأرق هذا المرض اللعين الذي يمكن أن ينغص حياة الإنسان، ويفسد عليه ذهنيته وتفكيره..
يقول الدكتور "وليم ديمنت" الأخصائي في علم النوم وأستاذ الطب النفسي في جامعة ستانفورد: إن هناك أنواع أولية من اضطرابات النوم لا يمكن ردها إلى أي أسباب جسدية أو نفسية محددة، ولكنها قد تؤدي إلى الأرق وهي: ارتجاف السيقان الذي يحدث على نحو منتظم ويوقظ النائم، ويتوقف التنفس المتكرر الذي يقطع النعاس، واضطراب الإيقاعات البيولوجية الطبيعية كالذي يتنحى عن السفر الطويل بالطائرات النفاثة.
ويتفق معظم الباحثين في أمر النوم على أن الأرق ليس مرضاً في ذاته لكنه علامة على أن هناك سبباً جسدياً أو سلوكياً يحول دون الجهاز البشري في مساره الطبيعي. وقد تتراوح هذه الأسباب بين التشويش في إنتاج كيمائيات "النوم" الطبيعية الذي يحدث في المخ وزيادة تعاطي الكافئين أو الفراش غير الملائم..
ويقول الأستاذ "ويب" وهو يخفف من وهم الأرق:
إذا كنت متعباً إلى درجة كافية فإنك ستنام حتماً..
اجعل لنفسك توقيتاً ليلياً منتظماً، فتأوى إلى فراشك في الموعد نفسه ويقول إن العادة تلعب دوراً مهماً في جلب النوم.
ويروى بهذه المناسبة أن رجلاً اعتاد أن يمضي نصف ساعة قبل أن يأوي إلى فراشه.. متجولاً في أرجاء المنزل يتفقد الأبواب والنوافذ باباً باباً ونافذة نافذة، فقالت له زوجته لماذا تضيع وقتك في هذا العمل.. اذهب إلى فراشك.. فترك الرجل هذه العادة وتوجه إلى فراشه لينام.. وكانت النتيجة أنه لم يستطع النوم، وأصابه الأرق، وقد اكتشف أن نصف الساعة التي كان يقضيها في تفقد الأبواب والنوافذ كانت تتيح له نوعاً من وقت (الاسترخاء) إلى أن يحين موعد النوم..
أما الكاتب الألماني جان بول ريشتر: فإنه يعلق على هذا الموضوع بقوله: إن النوم والثروة والصحة لن تلقى من اهتمامنا وتقديرنا ما لم يكن استمتاعنا بهذا استمتاعاً منقطعاً، وعلى فترات، حتى نستطيع أن نتحقق من حقيقة الدور الذي نلقيه في حياتنا..
وقديماً قيل.. الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى..