كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "عندما تجف المياه تموت الضفادع".
عندما تجف المياه تموت الضفادع. كلام طالما سمعته وكفت أسمع غيره وغيره.. من الإنسان أقل ما يقال فيه إنه كبير، كبير في عقله، كبير في قلبه، كبير وشمولي في نظرته للأمور، وتطلعاته للحياة.. ثم كبير في تعامله مع الآخرين ثم في ترفعه عن الأشياء الصغيرة.
كان عندما يبدي بفكرة ما، أو يلقيها عليك.. تحس بوهج غريب يمسك، ومصدر هذا الوهج ينبعث من الأعماق.. والعمق في الفكرة.. وليد معاناة.. تحوّلت مع الأيام إلى عادة.. إنها عادة إنسان من نوع غريب.. وفي مستوى الأحداث.. إنه يتصل بالإنسان، ويمس أصالته، وبدئيته، ويمر على طفولته، وشبابه ورجولته وشيخوخته..
فالفكرة عند إنساننا الكبير حصيلة هذه المعاناة الدائبة، والمتواصلة رسوخاً مع الأيام.. وهي وحدها تمنح الفكرة التي يتولاها العمق والمتانة والشمولية.
كذلك كان إنساننا الكبير في مساره الحياتية.. يبحث عن كل فكرة مستجدة.. ويعدو وراء كل تجربة أصيلة، ويفشي كل الأنوار، ويتأنق في اختيار المعاني.. ويشعر بضعف أمام كل مجهول، فالمجهول عنده هو الخصم الذي يبارزه، ويتحدّاه حتى يحوله إلى معلوم.. إنه يدفع لتحقيق ذلك رهناً من حياته، وأرقاً في نومه وشططاً من حياته...
إذا كانت النفوس كبار
تعبت في مرادها الأجسام
أشهد أني في طول الحياة التي عشتها، ومارستها، لم أعثر على نموذج لإنسان من هذا الطراز.. قال عنه أحد الأصدقاء.. ممن يحترمون كلمتهم.. إن صاحبك "بروفسور".. أستاذ.. تشعر به كذلك عندما يتحدث إليك.. كل فكرة تخرج عنه تحسها متعبة أنه يرهق نفسه في استنباط الفكرة الجيدة.
ولا تهدأ نفسه، وتثوب إليه، أو يثوب إليها (كما يقول الدكتور طه حسين) إلا بعد أن تكون قد لامست جوهر الحقيقة أو كادت..
فإذا هربت منه، في النهار، لحقها في الليل، حتى يدركها بعد أن يكون قد دفع (أرقه) أمام ذبيحة هذه الحقيقة.
هذا غيض من فيض، وشتلة واحدة من الشتلات المنتشرة في حديقة إنساننا الكبير.. ولو سمحت لقلمي أن يرسم مزيداً من شجاعته لامتلأت الصحائف، صوراً وألواناً ولوحات.
قد يقول البعض إنني خرجت عن الموضوع وقفزت عن عنوان صفحتي فأطلت وأطنبت وأنا أهزّ محجر البخور.. وأعزف ألحاناً شجعته.. حسبـي أن أعكس بصدق قناعاتي.. فأعبِّر عنها وفي أعماق صرخة تحدٍّ.. أتحدّى النفاق أن يجد طريقه إلى هذه القناعات أو أن تسقط شعرة من رأس هذه القناعات، لأنها لم تتكوّن بساعة أو في يوم أو في سنة.. إنها وليدة معاناة من طراز آخر..
وحصيلة معايشة عميقة.. وملازمة حميمة، ومطارحات متعددة الجوانب.. مدماكاً على مدماك شيّدنا هذا الصرح.. صرح قناعاتنا.. فباتت هرماً يطلّ بشموخ على كثير من الحقائق.. فالقناعات التي تتكوّن للإنسان من خلال تجارب عريضة وعميقة، من شأنها، بل من طبيعتها وخصوصيتها أن تقف على قدميها، ولا تبخس الناس أشياءهم (كما يقول الكتاب العزيز)..
أعود فأقول "عندما تجفّ المياه وتموت الضفادع".
ترى ماذا يريد إنساننا الكبير أن يقوله من خلال هذه العبارة؟
قالها يوماً، وسكت، وتركني في تأمل ممزوج بشيء من الذهول..
من المعلوم أن الضفادع تحيا في المياه، ولا تعيش إلا بالمياه، وتفتقس من المياه.. فإذا خرجت عنها اختنقت وماتت.
هل يقصد (إنساننا) أن الإنسان كالضفادع.. يحيا في مناخ معين، وضمن تقاليد موروثة، يخضع لعادات متأصلة، فإن خرج عليها، أو خرج منها، أو خرج عنها.. تعرّض للموت..
هل يريد أن يقول: إنه عندما يجف ماء الحياء عند الإنسان، ويجف ماء الكرامة.. وتجف سيولة المياه.. يموت الإنسان حياً.
عزيزي القارئ..
هل تشاركني في الوصول إلى تفسير غير التفسير الذي عرضت.. إنك لو فعلت؟ لأسهمت معي مشكوراً في إلقاء الضوء على الجانب المظلم من العبارة..
والله من وراء القصد.