كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "هل نعاني من أمراض المدنية؟!".
المدنية، أسبابها وشقاؤها.. كتاب للمفكر إدوارد كانتر يتحدث فيه هذا المفكر عن دور الانحطاط البشري في مرحلة "المدنية".. فيقول: إن المدنية تحمل في طياتها بذوراً مرضية يتحتّم على جميع الأجناس البشرية أن تتعرّض لها كما يتعرّض الأطفال لمرض الحصباء والشهاقة..
ويتناول المؤلف عدداً من الشعوب التي أصابها هذا المرض مرض المدنية مؤكداً أنه لا يوجد شعب تعرّض لمثل هذا الوباء وتمكّن من الشفاء وعاد إلى حالته الطبيعية!!
وصحة المجتمع كصحة الفرد تماماً عندما يحدث أي خلل في جسم الإنسان يتعلق بعدم الانسجام الوظيفي بين أعضاء الجسم كذلك يحدث في جسم المجتمع خلل وظيفي يتمثّل في صراع الطبقات والأفراد!! فإذا كان الجسم يتعرّض لاجتياح الجراثيم الطفيلية، التي تهدّده بالتلف والهلاك، كذلك جسم المجتمع يتعرّض لغزو الطفيليين الذين يعيثون بالملكية فيحدثون البلبلة والارتباك وبالتالي الاهتزاز فالتطاحن.
ثم ينتقل "كاربنتر" إلى الحديث عن الأمراض التي تنتشر بين أفراد المجتمع فيقول: إن وقفة إحصائية على المستشفيات العقلية نلاحظ عدداً لا يستهان به من الناس قد تعرّض لخلل دماغي أفقده التوازن!! والسبب في ذلك هو هذه الحياة العصرية التكنولوجية المعقدة التي نعيشها فتطحن الإنسان، وتعصره عصراً بين عجلاتها.. فلنستعرض (الكلام لا يزال لكاربنتر) صفحة من تاريخ القبائل المتوحشة.. نلاحظ أنه رغم تخلّفها وبدائيتها فهي أكثر انسجاماً وتعاطفاً وتلاحماً وتهادناً من الشعوب المتمدنة فأعضاء القبيلة الواحدة لا يسكن في قلوبهم العداء، ولا ينقسمون إلى طبقات متميزة ومتمايزة.. إنهم في حدود حياتهم البسيطة.. يعيشون في سلام، السرقة وأنواع العنف والإرهاب نادرة جداً بينهم!! إن ضميرهم الاجتماعي قوي ويقظ للغاية!!
ويقول الكاتب "والس" في كتابه "مجموعة جزر ماليزيا" إنني عشت بين جماهير جنوبـي أميركا وفي الشرق مع القبائل التي لم تكن لها شرائع ولا محاكم وكان لها فقط تقاليد وقد لاحظت أن الجميع يتصرفون في حدود العدل.. ويحترمون حقوق الآخرين..
ويقول "أرنولد دوفري" في كتابه "إكسير الحياة": إن الإنسان يعتبر من أكثر الحيوانات اللبونة انحطاطاً على وجه الأرض.. بالرغم من تقدم الطب وتوفر الأدوية.. وتنوع الإسعافات الطبية التي تبتلع كل سنة المليارات من الدولارات فإن صحة الإنسان وحالته الجسدية لا تزال منخفضة جداً بالنسبة لسائر الحيوانات.
وبعد!
فهذا هو مرض المدنية.. مرض الآلة والسرعة واللهث وراء مزيد من المكاسب!! لقد سقط الإنسان في هذه البؤرة.. سقط الجمال.. عندما طلّق البساطة.. وغاب عنها وهجرها، ونسي أن الجمال الحقيقي جمال النفس والجسد.. يكمن في البساطة.. بساطة العيش، وبساطة التفكير وبساطة التعامل مع الآخرين..
والله أعلم!!