عقد معهد أديان ندوة أكاديمية بعنوان "الإسلام، والتنوع، والتفسير" بمشاركة 30 من القادة الشباب – أكاديميّون، وعاملون فى مؤسسات المجتمع المدنى وناشطون وإعلاميّون - من 14 دولة عربية وأجنبيّة وبدعم من السفارة البريطانيّة في بيروت، وذلك من 5 إلى 12 كانون الأول 2015 في فندق كورال حمرا – بيروت.
"الإسلام والتنوع وبناء السلام" برنامج أكاديمي رائد في العالم العربي
تأتي الندوة التي يشارك فيها قادة شباب من الجزائر، وتونس، والمغرب، والكويت، والأردن، والعراق، واليمن، وموريتانيا، ومصر، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، واندونيسيا، واذربجيان، في إطار برنامج أكاديمي رائد أطلقه معهد أديان في أيلول 2015 تحت عنوان " الإسلام والتنوع وبناء السلام".
ويهدف هذا البرنامج الأكاديمي إلى تطوير قدرات الشباب القياديّين في مجتمعاتهم لمواجهة انتشار التطرّف وأفكاره من خلال تعزيز مهاراتهم المعرفيّة والفكرية من تحليل وتفكيك وتفكير نقدي وتمكينهم من المهارات التواصلية والقيادية.
فبعد فتح باب الترشح للبرنامج تم اختيار 30 قائدة وقائد من العالم العربي ومن مجتمعات ذات أكثرية إسلامية لاتباع هذا البرنامج الأكاديمي من ستة أشهر المبني على دروس عبر الانترنت وندوات دراسيّة تجمع القادة وجهًا لوجه مع بعضهم البعض ومع خبراء وأكاديميّين أبرزهم، من لبنان: الدكتور وجيه قانصو، والدكتور عيسى دياب، والدكتورة نايلا طبارة، من الأردن: الدكتور عامر الحافي، من فلسطين: الدكتور عبد الهادي العجلة، من بولندا: الدكتور كونراد بيتزوياتر، ومن الولايات المتحدة: الدكتور مايكل دريسن. تتمحور الدروس والندوات حول الإسلام والآخر على صعيد العلاقات التاريخيّة والجيو-سياسيّة واللاهوتيّة، والدين والسياسة والتطرّف، والتنوّع داخل الإسلام والتطرّف والتأويل، وكيفيّة وضع استراتجيات التواصل لبناة السلام بهدف مكافحة التطرّف. وبموازاة الحلقات الدراسية يعمل القادة المشاركون في البرنامج على استراتيجية إعلامية وتوعوية لإيصال صوتهم ولإبراز مثال المسلم والمسلمة العاملين على نشر قبول التنوّع وحب الحياة والعمل من أجل الخير العام في مجتمعاتهم.
وتخلّلت الندوة الأكاديميّة في بيروت التي تبعت المرحلة الأولى من الدراسة عبر الانترنت جلسات حول الهرمنيوطيقا وتأويل النصوص الدينية والتعرف إلى التفاسير المتطرِّفة في المسيحيّة واليهوديّة والإسلام، والتعرّف عن كثب إلى التنوع داخل الدين الإسلامي إن كان على صعيد الجماعات المختلفة أو مدارس التفسير المتنوّعة.
كما تخلّل الندوة زيارات ميدانية من بينها زيارة للمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في بيروت حيث التقى المشاركون مستشار شيخ العقل، الشيخ غسان الحلبي الذي حدثهم عن طائفة الموحدين الدروز داخل الإسلام. ثم زاروا مقام الشيخ عبد الله التنوخي في منطقة عبيه، عاليه، حيث أطلعهم رئيس المصلحة التربوية والدينيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ فاضل سليم على تاريخ المكان ورمزيّته لدى طائفة الموحدين الدروز.
كما قاموا بزيارة كنائس ومساجد في وسط بيروت والتقوا الأب أغابيوس كفوري الذي حدثهم عن التنوّع داخل الديانة المسيحيّة، وزاروا مدينة صيدا حيث كان لهم لقاء مع القاضي الشيخ محمد أبو زيد حول الفكر الجهادي والجهاد اللا عنفي.
تحدّيات العيش معًا والسلام في زمن التطرف والتعصب
إلى ذلك، قام المشاركون بزيارة إلى منطقة صور، جنوب لبنان حيث شاركوا في ندوة بعنوان "تحدّيات العيش معًا والسلام في زمن التطرف والتعصب" في قاعة المجمع الثقافي لمؤسسات الإمام الصدر في صور. افتتح الجلسة رئيس مؤسسة أديان، الأب فادي ضو بكلمة استهلها بتوجيه الشكر إلى مؤسسات الصدر "هذه المؤسسة المباركة في المنطقة الجريحة من لبنان"، مؤكّدًا أهمية اللقاء في هذا الظرف العصيب الذي يعاني منه لبنان والمنطقة.
وألقت رئيسة مؤسسات الإمام الصدر، السيدة رباب الصدر، ، كلمة أعربت فيها عن سعادتها بقدوم المشاركين من المشرق والمغرب والخليج العربي واندونيسا واذربجيان إلى جنوب لبنان "إذ يعتبر هذا أمرٌ فريد على الباحثين العرب الذين يقتصر اهتمامهم في معظم الأحيان على بيروت وما جاورها، وتابعت "إنّ رسالتنا هي السلام والمحبة مع الإصرار على إحترام الآخر"، وختمت "أنّ الصلاة والصيام وسائر العبادات تعود للشخص الذي يؤديها، أما السلوك والأخلاق فتتصل بالآخرين وبالمجتمع".
وألقى رئيس اساقفة صور للموارنة، سيادة المطران شكر الله نبيل الحاج، كلمة عرض فيها التحديّات الكونيّة الراهنة، وأولها تحدي الحفاظ على الحياة، على الكوكب؛ وتحدي التنمية مع اتّساع الهوّة بين الغني والفقير؛ وتحدي حقوق الإنسان لاسيّما المُعرّضين كالنساء والأطفال؛ وتحدي العيش معًا في ظل اختلاف الثقافات والحضارات، واصفًا تعزيز العيش معًا كمن يركب دراجة هوائية ويحتاج إلى تحريكها باستمرار.
والكلمة الختامية كانت للعميد لوسيانو بورتولانو رئيس بعثة اليونيفيل إلى لبنان، ممثلاً بالسيَد الباقر آدم، مسؤول الأمور المدنية في اليونيفيل، حيث لفت إلى "التغيير الجذري الذي حدث في أروقة الأمم المتحدة باتجاه تنشيط العلاقة مع الشعوب وليس فقط مع الحكومات لتعزيز الثقة بعمل الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام."
ثم فُتح المجال للنقاش وتناولت الأسئلة طبيعة أنشطة اليونيفيل لبناء السلام وحفظه وكيفية مواجهة الإنتهاكات ودور النساء في التنمية وبناء السلام في نفوس الأطفال الذين شهدوا العنف والحروب.
بين السُّنة والشيعة : محطات لتخفيف الاحتقان المذهبي
وفي ظل ازدياد التشنج الطائفي بين المسلمين والحاجة إلى لقاءات تخاطب الواقع المتأزم بين الطائفتين السنية والشيعية، نظّم معهد أديان الجلسة الأخيرة للندوة الأكاديمية بالتعاون مع جامعة المقاصد ، كليّة الدراسات الإسلامية تحت عنوان " بين السنة والشيعة : موارد ومحطات لتخفيف الاحتقان المذهبي" بغية طرح بعض المصادر الدينية التي تساعد على تقليص الانقسامات الطائفية.
افتتحت الندوة مديرة معهد أديان، الدكتورة نايلا طبارة التي أكّدت على أن المعهد يتشارك مع جامعة المقاصد في الرسالة وفتح باب التعليم الديني على الآخر وتعزيز التفكير النقدي. وقالت " نجتمع اليوم ضمن الندوة الأكاديمية التي تنظمها مؤسسة أديان حول الإسلام والتنوع والتفسير، حيث نعمل على موضوعين وهما، الإسلام والتنوع الداخلي ، والتطرف والتفسير." ثم تابعت " نحن نحاول وضع أصابعنا على مكمن الجروح، ولكن لا نقف عندها، لا بل نسعى لزرع الأمل من خلال موارد دينية تسهم في التخفيف من الاحتقان والتطرف." وختمت الدكتورة طبارة بتوجيه الشكر للمشاركين في البرنامج حيث عولت على فكرهم النقدي للخروج من "جرح التقاتل بين الأخوة، السنة والشيعة".
أما عميد كلية المقاصد، الدكتور أمين فرشوخ فأثنى على التعاون مع معهد أديان في تعزيز ثقافة العيش معًا من خلال تطوير الخطاب الديني والتربية. وشدّد الدكتور فرشوخ على أهميّة هذه اللقاءات الأكاديمية التي تسهم في نشر الوعي بين المسلمين خاصة والللبنانيّين عامة مؤكدًا على التزام جامعة المقاصد في هذه الرسالة.
وكانت كلمة لأستاذ العلوم الإسلامية والأديان المقارنة في جامعة آل البيت في الأردن والمستشار الأكاديمي للمعهد الملكي للحوار بين الأديان، الدكتور عامر الحافي الذي شدّد على أنّه "لا يمكننا تحقيق الحوار ما بين الأديان طالما لا يزال الاحتقان السني - الشيعي موجودًا". وأشار د. الحافي إلى ما نحن بأمسّ الحاجة إليه اليوم وهو "تعزيز فريضة الوحدة في الإسلام لا فريضة القتل... نحن بحاجة إلى فقه الوحدة بين المذاهب. فأزمتنا داخلية لا خارجية، تكمن في نفوسنا حيث ضعفت الروح الإيمانية والإحساس بالتقارب بين المؤمنين".
وتحدّث أستاذ الفكر السياسي ومدير تحرير موقع ليبانون 24، الدكتور أحمد الزعبي قائلاً: "أرى أن الثوران الأصولي في شقّيه وجناحيه السني والشيعي أثر بشكل سلبي جدًا على الحريات الدينيّة داخل المجتمعات الإسلاميّة، وعلى ثقافة تقبل الآخر أو الحوار معه، سواء كان من داخل الإسلام أو من الدين الآخر... فقد أدخل الإسلام الأصولي تغيرات جذرية على فقه الدين وعلى فقه العيش". وختم الزعبي مقترحًا إنشاء "تحالف اعتدال يواجه توليفات وأكذوبات العنف والتطرف واختطاف الدين."
ثم تحدّث مدير ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار ورئيس تحرير مجلة المعارج، الشيخ حسين شحادة حول تحدّيات الوحدة الإسلامية مشيرًا إلى أنّ " التحوّلات العميقة في الثقافة السنية – الشيعية أنتجت ثلاث ظواهر: أولاً أزمة المعرفة بالدين والتي أنتجت بدورها أزمة وَهم امتلاك الحقيقة المطلقة بالدين. ثانيا، أزمة المعرفة بصورة الآخر والتي أنتجت بدورها نزعة التكفير والتخوين. ثالثا، أزمة التوظيف السياسي للإسلام والدين والتي انتجت لنا ما نعانيه من جحيم الفتن". وختم قائلاً : "لا أسمح بأن يُقال أن حركات التطرّف هي حركات سنيّة أو شيعيّة، فهي الأداة التي صُنعت لتمزيق هويتنا وتشويه صورتنا".
إلى جانب هذا البرنامج الأكاديمي الذي يستمرّ حتى شهر آذار 2016، يعمل معهد أديان على ورقة سياسات تحت عنوان "تحالف الأديان في مواجهة التطرف" مع خبراء وصانعي سياسات وقيادات دينيّة ومؤسسات عاملة في مواجهة التطرف، والتي ستطلق في نهاية شهر كانون الثاني 2016.