تعاني أمهات كثيرات من عناد أطفالهن. أنتِ تريدين إطعامه أكلاً مغذيّاً وطفلك يريد البرغر والشيبس، تصرّين على أن ينام باكراً فيما يريد مشاهدة التلفزيون حتى وقت متأخّر... يبدأ بالصراخ أو يجابه رغباتكِ بعناد كبير وعزم شديد على تحقيق مبتغاه. كيف تتصرّفين مع طفلك العنيد وكيف سيؤثّر عناده في شخصيّته المستقبلية وحياته؟تُظهر دراسة أميركية أنّ العناد المتوازن عند الاطفال مفيد لشخصيتهم، ووجدت أنّ عناد الطفل ومثابرته سيضمنان له النجاح عندما يصبح بالغاً. هذه الدراسة تابعت 700 طفل منذ سن 12 حتّى بلوغهم 52 عاماً، وتمّ نشر نتائجها في مجلّة "تنمية علم النفس"، وخلصت إلى أنّ سلوك الطفل يشكّل مؤشّراً الى نجاحه مهنيّاً في المستقبل.
العناد والمكانة المرموقة
تنبّه الباحثون إلى المستوى التربوي للأطفال في المدرسة، وإلى ملامح شخصيتهم وتصرّفاتهم مع أهلهم. وخلصوا إلى أنّ الأطفال الأقل طاعة ورضوخاً، سواءٌ في المدرسة أو في المنزل، كانوا الأكثر تفوّقاً في الحياة عندما بلغوا سنّ النضج. فهم حصلوا على مراكز وظيفية أفضل وأجوراً أعلى مقارنةً برفاقهم المطيعين واللطفاء.
يدركون ماذا يريدون
عندما يفرّغ الطفل جرعات عناده الكبيرة على الأم، قد لا ترى في تصرّفه ما هو إيجابي، وتكون متأكّدة من أنه يرفض الأكل أو النوم فقط بهدف معارضة كلامها وتعصيبها. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّه على رغم رفضه طاعتها إلّا أنه يثبت تمتّعه بالشجاعة والجرأة لقول "لا" والتشبّث برأيه ومبتغاه. وهذا العناد سيساعده في مواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها مستقبلاً، وسيجعله لا يغفل عن أهدافه حتّى تحقيقها ما يضمن له النجاح، لا سيما على المستوى المهني.
التربية
يقدّم الأهل أفضل تربية لطفلهم بتعليمه المبادئ الحياتية والاجتماعية، ليتمكّن من بناء شخصيته. ويمرّ الطفل خلال نموّه بمرحلة يعارض فيها أهله ليثبت نفسه. هذه المرحلة طبيعية في إطار التربية، ولكن على الأهل أنْ لا يستسلموا ويرضخوا لأمنياته في حال كانت مضرّة لنموه أو صحته. فهم من يضعون الحدود وليس الطفل مَن يقرّر كيف ستجري الأمور حسب نزواته.
ويذكّر عالم النفس البلجيكي ديمتري هيكين بضرورة أن "لا ينسى الأهل دورهم في التربية والتوجيه أو يغفلوا عنه".
مثلاً قد يرغب الطفل بمشاهدة التلفزيون في الليل ويرفض الذهاب إلى الفراش للنوم. ولكن على الأهل أن يفهموه أنه يجب أن يتوجّه الى الفراش دون مناقشة. وعليهم تفهّم رغبات الطفل والاستماع إليها دون الرضوخ لها.
الإصغاء والتمسّك بالموقف
عندما يصغي الأهل إلى الطفل يشعر بأنّهم استمعوا لرغباته، ما يسهّل عليهم عملية إخراجه من عناده. ويكون تعاطيهم معه على النحو التالي: "أنا أفهم جيداً أنّك تريد البقاء معنا ولا تريد الذهاب للنوم، أنتَ لديك أسبابك وأنا أحترمها ولكن كوني أباً أو أمّاً عليّ المحافظة على صحتك ولذا أقرّر الساعة التي ستخلد فيها إلى النوم. من حقّك أنْ لا تكون موافقاً على قراري ولكنّ ذلك لن يغيّر في شيء منه".
الهدوء
تجنّبي الدخول في صراع مع الطفل عندما يعاندكِ، بل حاولي أن تشرحي له أسباب قراركِ النهائي بهدوء ووضوح. فالطفل سيستمرّ بعناده إن لم تشرحي له.
إن كنتِ تريدينه أن يتوقّف عن مشاهدة التلفزيون، فسّري له أنّ الوقت تأخّر ويجب أن ينام حتّى يتمكن من الاستيقاظ في الصباح الباكر مفعماً بالنشاط والحيوية. وأوضحي له تداعيات البقاء أمام التلفزيون لوقت متأخر وحرمان نفسه من النوم، "خصوصاً أنّ ذلك سيشعره بالإرهاق وبقلّة التركيز في اليوم التالي". تصرّفك هذا سيساعده على تقبّل التوقف عن مشاهدة التلفزيون والذهاب إلى النوم.
كوني حازمة لا قاسية
يحتاج الطفل للعيش في إطار حدود معيّنة. وهنا تكمن الصعوبة في التربية. الكثير من القيود تحثّ الطفل على حال من المعارضة الدائمة. لذا على الأهل أن يوازنوا بين ما يرفضونه أو يمنعونه عن الطفل وما يوافقون عليه أو يسمحون به.
مثلاً، قد يمتنع الطفل عن أكل شيء معيّن، ربّما لأنّه لا يحبّه أو يسعى إلى معارضة أهله لإثبات نفسه. في هذه الحال على الأهل النظر والحكم في الموضوع حسب معرفتهم بطفلهم.
إذا كان الطفل لا يحبّ هذا الطعام فعلاً، يجب ألّا يجبره أبواه على التهامه، وفي اعتقادهما أنه يقوم فقط بمعاندتهما لإثبات نفسه. فمن المهمّ ترك هامش حريّة للطفل حتّى يتمكّن من اكتشاف محيطه، لأنّ الكثير من الحواجز تمنعه من ذلك وتدفعه إلى مواجهة الحدود المفروضة عليه وكسرها فيما بعد.
وفي النهاية، إذا كنتِ غير قادرة على التواصل مع طفلك بسبب عناده القوي جداً، وتشعرين بالإرهاق، يمكنك اللجوء إلى المحلّل النفسي أو طلب مساعدة طبيب الأطفال.
(سابين الحاج - الجمهورية)