في زمن عيد الأم نسترجع كلّ الميزات التي تتمتّع بها الأمهات، وتحيط بها الأبناء، من حبّ وحنان وتضحية وبذلٍ للذات... ولا يغيب عن بال أحد مدى حجم المسؤولية المترتّبة على الأم منذ اللحظة الأولى لولادة طفلها حتى رحيلها من هذه الحياة. فهناك أمّهات تعبن وشقين وعلّمن وربّين ليصبح أبناؤهنّ أطباء، أو مهندسين، أو قضاة، أو معلّمين، أو صحافيين.... أو إرهابيين.
عندما يكبر الولد وينجح ينسى الناس أحياناً فضل أمّه في هذا النجاح. ولكن لا ينسى المجتمع أبداً إلقاء الملامة عليها إذا ما فشل ولدها أو اقترف أيّ سوء بحقّ نفسه أو غيره. علماً أنّ الأم أكثر من يتأذّى في حال انحراف ابنها.
الأم تعاني
تؤكد نزيهة بلجيد في حديث لـ"الجمهورية" وهي والدة محمد البالغ من العمر 26 عاماً، أنّ "الأم تعاني وتذهب إلى آخر الدنيا بهدف البحث عن ابنها إذا ما أضاعته".
هذه الوالدة التونسية فقدت التواصل مع ابنها بعد 20 يوماً على انتسابه إلى "داعش"، وتروي أنه "كان طاهياً ويدّخر المال ليتزوّج من خطيبته، كما كان شخصاً فرحاً في حياته يزرع المرح من حوله وطيّب القلب. ولم يتنبّه أحدٌ يوماً إلى أنه يحمل أفكاراً إرهابية".
وتضيف الوالدة المفجوعة: "محمد وقّع عقد عمل وسافر إلى ليبيا، ولكنه لم يعاود الاتصال بعائلته. وقد تلقيتُ اتصالاً هاتفيّاً بعد 20 يوماً على رحيله، يؤكّد لي أنّ ابني مات وهو يقاتل في صفوف داعش في سوريا".
نزيهة مازالت لا تصدق أنّ ابنها توفي بهذه البساطة، وتقول باكية: "مازلت أشعر أنّ ابني حيّ وأنه في أحد السجون". وهي مازالت تبحث عنه وتعيش حال قلق كبير.
حاولتُ اللحاق به
حال هذه السيدة لا تختلف عن حال المئات من السيدات في دول العالم الثالث وحتّى في أوروبا الذين فقدن أبناءهنّ ولا يعرفن شيئاً عنهم، أو وصلتهنّ رسالة بأنهم توفّوا من دون تحديد أية تفاصيل تُذكر. "فهؤلاء كانوا شباباً يعيشون حياة طبيعية إلى أن سرقهم المتطرّفون من كنف عائلاتهم"، بحسب ملكة معلمي، وهي أيضاً أم أحد الجهاديين الشباب في سوريا.
هذه الأم البلجيكية من أصل مغربي تبحث أيضاً عن ابنها الذي غادر من بلجيكا حيث ولد وترعرع إلى سوريا، وتشرح لـ"الجمهورية" صعوبة وضعها: "حاولتُ الذهاب إلى سوريا لرؤية ابني، ولكنني لم أتمكّن من دخول البلاد، وهو لا يمكنه مغادرة سوريا وإلّا تمت تصفيته، كما أنّ الحكومة البلجيكية تدينه غيابياً وقد حكمت عليه بالسجن". وتضيف: "أنا أقاتل من أجل ابني ومن أجل الأولاد الآخرين الذين يتمّ استدراجهم إلى سوريا، وهذا حزين".
ملكة أم لأربعة صبيان وابنتين. منذ عامين ونصف غادر ابنها ياسين المنزل وهو في العشرين من العمر ليلتحق بالجماعات الإسلامية في سوريا دون علمها. وتؤكّد أنه كان "سعيداً واجتماعياً للغاية ويسعى إلى مساعدة الآخرين". وأمام فقدانها لابنها تشير ملكة إلى أنها "تحاول التفكير برويّة، والسيطرة على حال الخوف المفرط والهلع والتعصيب، التي تنتاب أيّ إنسان في حالتها".
حوارٌ محدود في البيت
وعن الوضع العائلي والاجتماعي في أوروبا الذي أنتج واقعاً صادماً، خصوصاً أنّ مئات الأوروبيين تركوا عائلاتهم وحياتهم الرغيدة في بلاد الشمال المستقرّة والمتطوّرة ليلتحقوا بالحرب السورية، توضح هذه الأم البلجيكية: "لا يمكنني أن أمضي وقتاً كبيراً مع أولادي خصوصاً أنني أعمل، فليس هناك من حوار بنّاء في العائلة.
غالباً ما نعود إلى المنزل ليلاً متعبين بعد يومٍ شاق في العمل خارجه، ما يدفعنا إلى الاهتمام بالأولاد بشكل محدود، وهذا تعيس إذ يجب أن نخصّص لهم وقتاً أكبر، وأن نتمكّن أكثر من التوفيق بين العمل والعائلة".
(الجمهورية)