نعيش الحياة بحلوها ومرّها. في الأوقات السعيدة، نطير بأجنحة الفرح، أما في وقت الشدة، فنحن نحتاج إلى الحبّ والرعاية والإهتمام. خلال الصدمات ندعم مَن نحب، نستمع لهم، نرافقهم، نشاركهم معاناتهم، نخفّف من وطأة وجعهم. أما أن نعطيهم دواءً لهذا الهدف، فذلك من شأن الطبيب المختص، المخوّل الوحيد لذلك، وإلّا قد نزيد الأمر سوءاً. ويُذكر أنّ مرض الإكتئاب يصيب النساء أكثر من الرجال، والشباب بنسبة أعلى من نسبة الأولاد والمسنّين. تعكّر المشاعر السلبية صفو حياتنا اليومية لأسباب عدّة، صحّية، نفسيّة، إجتماعيّة، عاطفيّة، عائليّة وإقتصاديّة. فيسيطر علينا المزاج السيّئ والقلق والحزن وصولاً إلى الإكتئاب. نشعر بالحزن، كتفاعل مع التجارب الموجعة التي نمرّ بها، ومنها الفشل وخسارة شيء أو شخص عزيز.
قد يستمرّ هذا الشعور لأسابيع عدة، إلّا أنه لا يمنعنا من متابعة متطلّبات حياتنا اليومية بصورة طبيعية. الإنسان الحزين لا ينسى سبب حزنه، لكنه يتعايش معه، ينام ويتناول طعامه، يتفاعل مع المحيطين به، يقوم بمستحقات أعماله، على رغم عدم شعوره بالفرح. أما مَن أُصيب بالإكتئاب، فلا قدرة لديه على متابعة حياته اليومية ومتطلّباتها بشكل منتظم.
الإكتئاب وعوارضه
الإكتئاب مرض، يسبّبه خللٌ بالمواد الكيميائية في الجسم (نوروترانسميترات). هو يفوق الشعور بالحزن الشديد، ويؤثّر على كامل الجسد، خصوصاً القلب والمناعة من خلال تسبّبه بارتفاع ضغط الدم، مستوى السكر، نموّ الفطريات (إكزيما) وغيرها... يتلازم مع الشعور بالتعب والقلق، إضطرابات النوم، ويؤثر على الشهية والطعام.
كما يشعر الشخص المكتئب بالفراغ والحزن، التوتر، العصبية والإرهاق الدائم، بالإضافة إلى نقص في الطاقة، الإحساس بعدم الإستقرار، غياب الأمل، الإستياء والبكاء، وعدم الرغبة بالتسلية والمرح، فضلاً عن الشعور بالذنب، وكره الذات والميل إلى التفكير بالموت والإنتحار.
لا تقتصر أضرار الإكتئاب على الأعراض النفسية، بل لها كذلك أعراض جسدية، كألم الرأس، الظهر، القدمين، والمعدة، بالإضافة إلى الدوخة ومشكلات في الهضم والضعف الجنسي. إلى ذلك يؤدي الاكتئاب إلى هلوسات كسماع أصوات غير موجودة أساساً، وقد يسبّب مشكلات زوجية، أو عائلية، ومشكلات إجتماعية على صعيد العمل والدراسة. وكلّما تأخّرنا بمعالجة الإكتئاب، يزيد الوضع الصحّي للمصاب سوءاً، وتخفّ نسبة النجاح بالتخلّص من هذا المرض نهائياً.
الأسباب
يتسبّب نقص المواد العصبية الناقلة في مركز الدماغ، بالإكتئاب. ويظهر ذلك من خلال التفكير والسلوك والمزاج والإنفعالات. قد يُصاب البعض به لأسباب وراثية، أو تربوية مرتبطة بالتنشئة، حيث يُنقل عن طريق المشاهدة، أي مشاهدة التشاؤم، اللوم، سوء الظن، وعدم الرضا الدائم... كما تتسبّب الظروف الحياتية بالإصابة بمرض الإكتئاب، كالمشكلات الصحّية المزمنة مثل الباركينسون، الأوضاع الإقتصادية، الوفاة والفقد، والصدمات العاطفية... وقد يكتئب صاحب الشخصية الوسواسية، والشخصية الهستيرية.
العلاج
يُعالج مرضى الإكتئاب بالأدوية المناسبة، التي يصفها الطبيب المختص، لأشهر عدة، حتّى بعد التحسّن. والطبيب هو الشخص الوحيد المسؤول عن كمية الجرعات، وتوقيتها، والتوقف عنها. إنّ هذا المرض قابل للتغيّر، لذلك لا بدّ من مراجعة الطبيب في حال تزايد أعراض القلق، العدوانية، الخوف، الحركة الزائدة والأفكار الإنتحارية، تجنّباً لأيّ نتائج مأساوية على المريض ومحيطه. لا تؤدّي أدوية الإكتئاب إلى الإدمان عليها، بل يتم الإستغناء عنها تدريجاً.
كما يساعد العلاج النفسي السلوكي والمعرفي مريض الإكتئاب في تمكين قدراته على الصعيد الفكري، الإجتماعي والسلوكي. لا بدّ من مرافقة المعالجين النفسيّين للتخلّص من آثار الإكتئاب الذي يمكن أن يرافق المصاب به لفترة طويلة إذا أُهمل.
الوقاية
إنّ حياتنا اليومية مليئة بالأحداث السعيدة، والحزينة، التي تنعكس على مشاعرنا بكلتا الحالين. لكن ما نصبو إليه جميعاً، هو دوام الفرح والرضا، والقدرة على تخطّي الصعوبات.
وللوقاية من الإكتئاب، لا بدّ من السيطرة على التوتر، والسعي دائماً إلى التسلية والترفيه، والإهتمام بالذات، والإكثار من التجمّعات والمناسبات الإجتماعية السعيدة. بالإضافة إلى القيام بتمارين رياضية. كما أنّ وجود مَن نحبّ إلى جانبنا يُشعرنا بأننا غير متروكين، بل إننا محبوبون ومدعومون، ويجدّد لدينا الشعور بالفرح والأمل بالمستقبل، ويساعدنا الإيمان على تقبّل الخسائر والتسليم بإرادة الله.
(ساسيليا دومط - الجمهورية)